تقارير

رمضان الخرطوم يرمم حسراته ويبني الفرح

الخرطوم - تقرير: إشراقة علي عبد الله

في مشهد كأنه حال من التعافي الاجتماعي، استعادت ليالي رمضان هذا العام بريق الحياة في العاصمة الخرطوم، نظراً إلى الأوضاع التي كانت عليها مدنها الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان، إذ كانت تغلب عليها خطا الحرب من قصف عشوائي وانفلات أمني وانتشار جنود “الدعم السريع” في الشوارع العامة مدججين بالسلاح، إلى جانب جثث القتلى المتناثرة في العراء.

هذا العام تحولت ساعات ليل رمضان في معظم أحياء الخرطوم إلى نشاط متصاعد، وبخاصة المناطق التي تشهد كثافة سكانية مثل الكلاكلة وجبرة والأزهري جنوبي الخرطوم، حيث يقضي المواطنون ساعات طوالاً من الليل في الأنس ولعب الورق والدومينو والشطرنج والسمر، فضلاً عن الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والترفيهية في المقاهي والساحات العامة والأندية الشبابية.

مرحلة تعافٍ

يقول إبراهيم إدريس، صاحب محال بضاحية جبرة جنوب الخرطوم، إن “العائدين إلى الخرطوم يعيشون مرحلة التعافي بينما تدب الروح والأمل وسط المواطنين كلما استقرت خدمات الكهرباء والمياه والأسواق”.

وأضاف إدريس “في الأعوام الماضية كانت الخرطوم بؤرة عسكرية لقوات (الدعم السريع)، والآن أصبح المواطنون يقضون ساعات طويلة في الشوارع إما بالجلوس في المقاهي أو أمام المحال التجارية التي تفتح أبوابها حتى طلوع الفجر، إلى جانب الخروج إلى الساحات العامة لحضور البرامج الترفيهية ومتابعة الأنشطة الرياضية التي تنظم عقب الإفطار”.

ومضى قائلاً “ربما لم تعد الخرطوم حتى الآن إلى زحامها المألوف قبل الحرب، لكن ما نشاهده يعد بداية جديدة وتحولاً كبيراً بعد معايشة أسوأ مأساة خلال أشهر الحرب”.

الافطارات الجماعية خلال الشهر

عودة تدرجية

عقب توقف الحرب كان تفكير مجموعة من المهتمين بالنشاط الثقافي والرياضي في كيفية تأهيل الأندية ومراكز الشباب خلال شهر رمضان لتواصل دورها الحقيقي من خلال تنظيم الدورات الرياضية والندوات الثقافية وأيام للعلاج المجاني وحملات النظافة والتصحيح البيئي، فضلاً عن إقامة الدورات الرمضانية في كرة القدم وأنشطة رياضية أخرى.

يقول أحمد الطيب، أحد المبادرين في إحياء النشاط الرياضي والثقافي والاجتماعي بمركز شباب السجانة في الخرطوم، إن “ليالي رمضان فرصة لإعادة دور الأندية ومراكز الشباب التي طاولها الخراب بصورة كبيرة، إذ كانت تقيم الفعاليات والندوات الثقافية التي تهتم بقضايا الشباب وتوعيتهم، وبخاصة في مجال مكافحة المخدرات، فضلاً عن الدورات الرمضانية في كرة القدم التي يجد عشاقها متنفساً في ممارستها”.

وأردف الطيب “نجحنا في جمع الموسيقيين والمغنين والعازفين لخلق حلقة تواصل بينهم وإثراء الساحة الفنية حتى يكون المجتمع الفني أكثر تماسكاً، إذ إن للفنون دوراً كبيراً في تقوية الروابط الاجتماعية وغرس الأمل في النفوس، وأقمنا فعالية أسبوعية حظيت باستجابة كثر حتى أصبحت المنتديات تجذب الجمهور، ومن هنا تبرز الأهمية الاجتماعية والترفيهية للأندية في شهر رمضان”.

وبين أن “معظم الأندية والمراكز الشبابية التي فتحت أبوابها بدأت تشعل الحماسة والرغبة وسط سكان الأحياء وبخاصة الشباب، من خلال التفاعل مع الفرق الموسيقية والتمثيلية والعروض الشعبية والبرامج الترفيهية وجلسات الاستماع للعزف على آلة العود والغناء على أنغام الطبل وتبادل أبيات الشعر بين الهواة”.

ونوه الطيب إلى أن هذا الحضور والتفاعل الجماهيري شجع إدارات هذه الأندية والمراكز الشبابية على العمل لاستعادة ما فقدته من مقتنيات خلال الحرب من معدات رياضية وآلات موسيقية وشاشات مشاهدة ومقاعد وطاولات، وتهيئتها بصورة أفضل مما كانت عليه.

طقوس وعادات

إلى ذلك أوضح الناشط المجتمعي الزين خضر أن “مدينة أم درمان التي عاشت عتمة الحرب استعادت طقوسها وعاداتها وتقاليدها في أمسيات شهر رمضان الحالي، إذ تشهد تنظيم دورات وتمارين رياضية في كافة الأنشطة، وتفعيل الملتقيات الثقافية والاجتماعية في دورها العريقة عقب الإفطار يومياً”.

وأضاف خضر “على رغم العودة المحدودة للمسارح التي كانت تعج بها مدينة أم درمان، بسبب تدميرها وما تحتاج إليه من أموال طائلة، فإن بعضها يشهد إقامة البروفات وبعض العروض في محاولة لجذب محبيها، علاوة على عودة الأسر بصحبة أطفالها، إلى جانب الشباب وكبار السن الذين يجلسون حول بائعات الشاي والقهوة وطاولات المطاعم والكافتريات لتبادل الأحاديث عما يدور في الوقت الراهن”.

وشدد الناشط المجتمعي على أن “العودة للحياة الطبيعية لن تكون إلا بعودة المواطنين إلى مناطقهم على رغم العقبات الماثلة، ومحاولة الخروج من أزمات الحياة التي عاشوها أثناء الحرب، والعمل على تطبيع الحياة بقضاء أوقات ممتعة خلال هذه الأمسيات الرمضانية”.

نشاط الشباب السوداني في ليالي رمضان

تواصل اجتماعي

على صعيد متصل، أشار سكرتير نادي شباب الوحدة بالكلاكلة جنوب الخرطوم وليد المسيك، إلى أنهم “حريصون على دفع المجتمعات للتواصل من واقع الدورات الرمضانية التي تهدف إلى إحياء الأنشطة المختلفة، خصوصاً كرة القدم، فضلاً عن الاحتفاء من وقت لآخر بمن عادوا إلى ديارهم عبر إقامة مهرجانات تحوي كثيراً من الفقرات التي أطلقنا عليها فرحة العودة”.

وتابع المسيك “في تقديري هناك صحوة رياضية في شهر رمضان من خلال تفعيل الميادين التي تعرف شعبياً بملاعب الخماسيات، والتي في الغالب تقع وسط الأحياء السكنية، إذ تشهد منافسات بين قدامى اللاعبين والشباب يحضرها عشاق كرة القدم، فضلاً عن ممارسة رياضة المشي وبخاصة في المناطق التي شهدت استقراراً في الإمداد الكهربائي”.

ولفت إلى أن “الدورات الرمضانية التي أقيمت في مختلف مناطق الخرطوم الأكثر حضوراً سكانياً جرى الإعداد لها منذ وقت مبكر، وتم نشر تفاصيلها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان الهدف منها أن تسهم في إقناع السكان بإمكانية الحياة مجدداً في العاصمة”.

ونبه إلى أن “استعادة الدور الحقيقي للأندية في الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية تستدعي مضاعفة الجهود ومحو الآثار التي تركها النزاع وترتبت عليها آثار نفسية واجتماعية واقتصادية، مما سيلقي على كاهل الناشطين والمبادرين مزيداً من العبء في تقديم الخدمات للاستشفاء المجتمعي”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع