مقالات

قريب إلى القلب وبعيد عن “الجبخانة” 

عبد الجليل سليمان 

في ليالي رمضان، حين يهدأ صخب العالم قليلاً، تبدو (الحرب الإيرانية الثانية) كبرق بعيد يلمع في أفق بغيوم حمراء تصادر عن الليل صفاؤه وتفصل عن الماء عذوبته.

 خطوط الضوء المتقطعة من الصواريخ ترسم قوسها بين طهران وتل أبيب، فيما تفرض القوة الأميركية (الغاشمة) حضورها في قلب المعركة، ممتدة كظل طويل يترك أثره الثقيل على خرائط الشرق الأوسط، فتتكاثف التوترات على امتداد المنطقة حتى يخيل للناظر أن الأرض بأسرها تحولت إلى مسرح مفتوح على الريح.

وفي الطريق تصيب الصواريخ المدن العربية وتستهدف مؤسسات مدنية، فيرتفع الدخان فوق الأسطح، ويتسلل إلى القلوب أسى صامت، كأن كل شيء يُتداول بهدوء بين أصوات الليل.

لكن الضجيج الذي يملأ المكان اليوم ليس ما يبقى في ذاكرة التاريخ، فالذي يبقى في العادة كلمة، وحرف، وإيقاع حبر يهمس إلى الأجيال.

(1)

بين العرب وفارس تاريخ طويل من الملامسة الخفية، لم تكن الجغرافيا فيه حاجزاً، بل شبكة طرق وممرات تتقاطع فيها القوافل من البصرة إلى شيراز، ومن الكوفة إلى أصفهان، ومن خراسان إلى بغداد، حاملة التمر والحرير والكتب، ولم تكن الجِمال تحمل البضائع وحدها، بل حملت أيضاً مفردات صغيرة خفيفة كالعطر، تعبر بلا صوت لتستقر في الكلام اليومي.

تسللت إلى العربية كلمات فارسية عديدة حتى صارت جزءاً من نسيجها مثل بستان وبازار وديوان وطربوش وإيوان وجصّ ورباط وقشلاق ونقاره، استقرت في الحياة اليومية كما تستقر الأشجار في تربة قديمة، صامدة رغم تقلب الرياح.

(2)

لكن الأثر الأعمق لم يكن في المفردات وحدها، فمن بلاد فارس جاء بعض كبار حراس العربية، يكفي أن نتذكر سيبويه عمرو بن عثمان صاحب الكتاب الذي صار عمدة النحو العربي، ومن طبرستان جاء الطبري صاحب تاريخ الرسل والملوك، ومن خراسان خرج علماء الحديث مثل الترمذي صاحب سنن الترمذي وأبو داود صاحب السنن، ومن طوس جاء أبو حامد الغزالي الذي مزج الفقه والفلسفة والتصوف في مؤلفات ما تزال حيّة في الوجدان الإسلامي.

وهكذا تتشابك الحكاية، بينما يواصل التاريخ تذكيرنا بأن العلاقة بين العرب وفارس لم تُكتب بالسيوف وحدها، بل كتب سوادها الأعظم بالحبر وبالكلمات التي ما تزال تتردد في العربية كأنها صدى قديم يهمس قرب القلب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع