يا ابن أمي (2)
نشأنا معًا في منزل أسرة بسيطة: ثلاث بنات وولدان. كان ترتيبه الثاني في الميلاد، وكنتُ الرابع، وبيننا نجوى. منذ صغره كان قليل الحجم، وفي سنوات قليلة صرتُ أبدو وكأنني أكبر منه، وكان هذا الأمر يغيظني، فأصحح ذلك دائمًا بغضب: “هو أكبر من الأكبر منِّي”.
نشأنا في منزل حكومي يتبع لمحالج الأقطان في بورتسودان. كان كل الجيران يعملون في المكان نفسه، والعلاقات ممتدة وعابرة من الأسرة الصغيرة إلى امتداداتها. عشتُ في ظله، فقد سبقني في كل شيء، واستولى على ذاكرة شقاوة الطفولة. كل الحكايات كانت أن هاشم فعل هذا وذاك: احتكاك مع شقيقاتنا في المنزل، مشاجرات في الشارع، تمرد على الأوامر المنزلية، عودة متأخرة إلى المنزل، ترك شعره ينمو “آفرو”، ولبس “الشارلستون” في وقت مبكر.
ووجدتُ الطريق ممهَّدًا أمامي لأفعل كل ما فعله، ونال عليه عقابًا أو صُنِّف بسببه متمردًا.
وكانت مشاجرات الشارع تتحول من فردية إلى أسرية؛ فأتعرض للضرب والمطاردة أحيانًا فقط لأنني أخ هاشم الذي فعل كذا وكذا. كنت أنال العقاب لأنني أتبعه، رغم أنني لا أبادر بشيء.
قرر في بعض الأحيان ألّا يُشركني في “المؤامرات” المنزلية بحجة أنني “فتّان”. لم أكن أبادر بشيء، لكن أمي كانت تعرف نقطة ضعفي: لا أستطيع أن أخفي شيئًا. كانت تأخذني إلى الغرفة وتغلق الباب، فأرتبك وأتلعثم وأفسد الخطة التي أعدّها هاشم.
دخلتُ المدرسة الابتدائية والمتوسطة نفسيهما اللتين درس فيهما، لكن بعد تخرجه منهما. كنت طالبًا هادئًا صموتًا، وفي كل مرة يفاجئني السؤال: “معقول إنت أخو هاشم؟”
لم تكن ملامحنا متطابقة؛ كانوا يسمونه في الأسرة “الحلبي”، في حين كنت أكثر سمرةً منه. اكتشفتُ لاحقًا تطابق أصواتنا؛ ففي أكثر من مناسبة كنت أتحدث في مكان، فيأتي أحد أصدقائه أو صديقاته يبحث عنه بعد أن سمع صوتي.
فارق المنزل في السنة الثالثة المتوسطة؛ أخذه خالي معه ليمتحن للثانوي من مدرسة “الكريمت”، التي دخل منها إلى حنتوب. هناك التقى ببشرى الفاضل، وأبوبكر الأمين، ومحمد يوسف أحمد المصطفى، وزملاء آخرين، وأستاذهم عبد الله بولا. انتمى للجبهة الديمقراطية، ولمجموعة “طلائع الهدهد” الثقافية الفنية تحت إشراف بولا. طافوا القرى، يقدمون الندوات والمسرحيات والأغاني. كان هاشم يمثل ويكتب الشعر، ويرسم، ويعزف العود، ويغني.
تفتحت أمامه عوالم جديدة في الفكر والفن والفلسفة والسياسة، بل في الحياة كلها. كان يأتي في الإجازات إلى بورتسودان محمَّلًا بكميات كبيرة من الكتب، تنوء حقيبته بحملها، ويقضي الليل في القراءة. حاولتُ تقليده؛ فكتبت بعض الشعر، وبدأت أتعلم العزف على العود، لكنني فشلت تمامًا في الرسم، فلم يقسم الله لي منه شيئًا.
كان هاشم وبشرى الفاضل، والماحي، وباردوس، وأستاذهم عبد الله بولا، وأصدقاؤهم، وقراءاتهم ومناقشاتهم، دليلي إلى المعرفة في وقت مبكر.
بعض ما كانوا يقرأونه ويتناقشون حوله أربكني وأربك حياتي لفترة، لأنه كان أعلى من مقدرتي على الاستيعاب؛ كانوا يقرأون لهربرت ماركوز، وكولن ويلسون، وسارتر. قرأت بعضه ولم أستوعبه.
لكن أهم ما قدموه لي كان عبور مرحلة أولية وطبيعية في قراءة الشعر والرواية بسرعة. قادوني إلى عوالم نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وألبير كامو، وألبيرتو مورافيا، وهمنغواي، وشتاينبيك، وأدخلوني عوالم محمد المكي إبراهيم، ومحمود درويش، في وقت كان العمر فيه عمر الروايات والأشعار الرومانسية البسيطة.
كنت أحمل كراسة أشعاري الركيكة، وأنا في المرحلة المتوسطة، وأعرضها، من دون كل الناس، على بولا، فيناقشني بصبر، ثم يهديني ديوان شعر لدرويش، مثلما أعطاني هاشم ديوان “أمتي” لمحمد المكي إبراهيم.
قدمتُ بولا في ندوة بالمدرسة الثانوية، فتحدث عن التشكيل وعوالمه. سأل زميلنا المثقف تشكيليًا بولا عن رأيه في بيكاسو، فأجاب ببساطة: “مستهبل كبير، عندنا فنان اسمه حسن موسى أرسم من بيكاسو مئة مرة”. كانت لديهم آراء جريئة وصادمة، لا يتورعون عن الجهر بها في كل الظروف، وسببت لهم كثيرًا من المشاكل.
معهم تعرّفتُ على الراحلين: أبوبكر الأمين، وعبد السلام حسن، وعلي سفوري. وأزعم أنني أقمت صداقات مستقلة معهم ومع بقية أصدقائه: بشرى الفاضل، ومحمد بيرق، ومحمد عبد الحميد، ومحمد عبد الخالق. وعبره عرفت سليمان بلدو، وعشاري، ويونس الأمين.
وفي منزل هاشم وأم الخير في امتداد ناصر، تعرّفت على عبد اللطيف علي الفكي، ومريم محمد الطيب، وعبد اللع أبسفة، ويحيى فضل الله، والدكتور علي فضل، ومحمد خلف.