مقالات

من الذي يحتاج لـ(معد نفسي)؟ اللاعبون أم الإعلام محمد عبدالماجد؟!

محمد عبدالماجد

كثيراً ما أسمعهم يتحدثون عن حاجة الهلال إلى (معد نفسي)، حتى صار الأمر عندي بمثابة نوع من التعالي الثقافي والتعسف العلمي، أو الرفاهية الحضارية. وكثيراً ما يُطلب مني أن أكتب عن ضرورة (المعد النفسي) لحاجة الهلال له، وحقيقة أنا أرى غير ذلك، وأبرر قولي ببعض الملاحظات أو القرائن:

أولاً: لا أعتقد أن هنالك معداً نفسياً كفؤاً قادراً على التعامل مع الأزمات الحالية، وأحسب أن الأمر ما زال عندنا تقليدياً أو مجرد “ونسة” وملء فراغات والسلام. أما المعد النفسي من منطلق علمي حقيقي فهو غير موجود في الواقع؛ أقرأ بعض الكتابات وأسمع بعض الرسائل أو البرامج التي تستضيف معداً نفسياً فيخاطب لاعبي الهلال أو المريخ أو المنتخب قبل المباريات المهمة ، فلا أجد جديداً في ذلك، فهو يقول كلاماً عادياً، الأمر لا يحتاج إلى معد نفسي، “أي زول” ممكن يقول كلامهم، فليس لهم من المعد النفسي إلا التعريف. إلى جانب أن اللاعبين أنفسهم لا أعتقد أنهم يشعرون بجديد بما يقدمه لهم المعد النفسي، وقد حالف الفشلُ الأمرَ في أندية كبيرة مثل الأهلي المصري والترجي التونسي.

ثانياً: نظرة اللاعب نفسه للمعد النفسي وجلوسه معه تفقده الثقة وتجعله يشعر بالنقص، وحتى المجتمع يرى أن من يجلس لمعد نفسي هو (ناقص عقل). العوامل النفسية أصبحت تُكتسب ذاتياً، حتى وسائل التربية الحديثة أضحت مستقلة.. “علّم نفسك بنفسك”. دور الأب والأخ الأكبر في البيت تراجع في هذا الزمن؛ العلم والتكنولوجيا أصبحت توفر لك أي شيء، وأصبحت هي المعلم الأول، المهم أنك تملك الرغبة والإرادة والطموح، وهذه أشياء لا تُشترى ولا تُكتسب.

أسوأ أنواع التعليم هو التعليم المباشر، لم تعد الأمور تجري على هذا النحو. ابنك إذا قلت له: “ادخل كلية الطب” فلن يدخلها، ولكن إذا ظللت تتحدث له عن ملائكة الرحمة وعن رسالة الطبيب، سوف يدخل كلية الطب ويتفوق كطبيب بعد ذلك.

ثالثاً: كثيراً ما سألت نفسي: من الذي يحتاج إلى معد نفسي؟ اللاعبون أم نحن كجمهور وإعلام؟

إذا سُئلت عن الأزمة في السودان فسوف أقول لك إن الأزمة إدارية على مستوى الدولة والاتحادات والأندية.. إلخ. أزمتنا ليست فنية، وحتى إن كانت أزمتنا فنية فإن العلاج أيضاً يكمن في الجانب الإداري وفي تطبيق الاحتراف واللوائح والقوانين، وفي إنشاء الأكاديميات والمدارس وخلق فرص للناشئين ورعاية المواهب والاهتمام بها، وكل هذه الأمور علاجها يتم إدارياً.

كذلك أُحمل الإعلام والجمهور جزءاً كبيراً من الأزمة؛ في العادة أسمع دائماً “تطبيلاً” للجماهير، وكثيرون لا يحبون الدخول في صدام مع الجمهور، لكن الحقيقة أن ثقافتنا الجماهيرية تحتاج إلى جرعة وعي. نحن لا نحسن التعامل مع الهزيمة، بل ولا نحسن حتى التعامل مع النصر، ونحن في الإعلام نتحمل وزر ذلك.

لهذا من يحتاج إلى معد نفسي هو الإعلام والجمهور (كان ترضوا وكان تزعلوا). لا بد من أن تتغير مفاهيمنا، وأن نتعامل مع الأمور بشيء من الوعي.

نحتاج إلى احترافية في المنصات والصفحات والمدرجات؛ لا تُحملوا اللاعبين والأجهزة الفنية كل المشاكل، نحن نتحمل الجزء الأكبر.

الأكيد أننا لا نستطيع أن “نستحلب” معداً نفسياً لكل إعلامي أو لكل مشجع، لكن نستطيع جميعاً أن نغير المفاهيم الغلط وأن نتخلص من سلبياتنا، وكلنا “عارفين” مشاكلنا، فلماذا لا نعالجها؟

قد يقول قائل: “اللاعب في حاجة إلى معد نفسي حتى يحسن التعامل مع ضغوط الجمهور والإعلام”، وأقول: علينا أن نهذب الضغوط وأن نخففها وأن نعالج الأزمة ونقضي عليها في منبعها وليس في مصبها.

ادعم وساند، وأبعد أنت كمشجع أو إعلامي عن التدخل في الجانب الفني، واجنح عن الانتقادات التي لا تكون إلا تنمراً.

علينا أن نتعامل مع كرة القدم ومع أنديتنا على أنها تمثل واقعنا وحالنا وتعبر عنا.

لن تحدث نهضة في كرة القدم في السودان إلا إذا حدثت نهضة في البنية التحتية والملاعب والأكاديميات والمدارس واللوائح والقوانين.

وقبل ذلك لا بد أن تحدث نهضة في المفاهيم. لا يعقل أن نترك كل ذلك، ونخلي الدولة بحالها و”بلاويها” ونمسك في اللاعب “الغلبان”.

أعتقد أنه ليس من الشهامة ولا حتى الرجولة أن يكون نقدنا ومواجهاتنا فقط ضد اللاعب، والمشكلة في الفيل.. فلماذا تطعن في الظل؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع