في لحظةٍ تاريخية مثقلة بالاضطراب، تتزامن على سطح العالم عدة حروب مفتوحة، تختلف جغرافيًا وسياسيًا، لكنها تتقاطع عند سمة لافتة: استدعاء الدين بوصفه إطارًا تفسيريًا ومعنويًا للصراع.
من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، ومن القرن الإفريقي إلى جنوب لبنان، الي اسرائيل وايران يتكرر خطابٌ يمنح الحرب بعدًا يتجاوز حسابات السياسة إلى فضاءٍ أكثر تجريدًا: فضاء “القداسة”.
هذا التداخل بين الديني والسياسي ليس جديدًا في تاريخ النزاعات، لكنه اليوم يبدو أكثر كثافةً ووضوحًا.
فالأطراف المتحاربة لا تكتفي بتبرير أفعالها بلغة المصالح أو الأمن القومي، بل تلجأ إلى مفردات الإيمان، والنصوص، والرموز، مثل “الغضب الملحمي” أو “العصف المأكول”، لتقديم الحرب بوصفها ضرورة أخلاقية، أو حتى إنها مهمة ذات طابع خلاصي.
في الحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، برز خطاب ديني يضفي على الصراع بعدًا يتجاوز الجغرافيا، حيث تُمنح المواجهة معنى يرتبط بالهوية الروحية والتاريخية.
وفي الشرق الأوسط، سواء في غزة أو إيران وجنوب لبنان، تتداخل السرديات الدينية مع الواقع الميداني، فتُستخدم الرموز والنصوص لإعادة تأطير العنف ضمن سياق أوسع من كونه مجرد مواجهة عسكرية.
أما في السودان، فعلى الرغم من أن الصراع يبدو في ظاهره سياسيًا على السلطة، فإن البعد الهوياتي—بما فيه من عناصر دينية—سرعان ما يتسلل إلى الخطاب، ليعيد رسم خطوط الانقسام على أسس تتجاوز السياسة، إلى الانتماء الأيديولوجي أو المناطقي أو الإثني.
ما يجمع هذه الحالات ليس الدين بوصفه عقيدة شخصية، بل بوصفه “لغة عامة” للصراع.
لغة تُعيد تعريف مفاهيم أساسية: فالموت قد يتحول إلى تضحية، والخسارة إلى اختبار، والعنف إلى واجب.
وبهذا، لا يصبح النزاع مجرد صراع على الأرض أو النفوذ، بل صراعًا على المعنى ذاته.
غير أن هذا الاستخدام للدين يطرح إشكالية عميقة.
فحين يُستدعى المقدس إلى ساحة الحرب، لا يبقى في موقعه كمرجعية أخلاقية تضبط السلوك، بل قد يتحول إلى أداة تمنح الشرعية لأفعال يصعب تبريرها بوسائل أخرى.
وهنا، تتراجع الحدود بين الإيمان والتوظيف، بين القناعة والاستغلال.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب يُسهم في إطالة أمد النزاعات.
فالحروب التي تُقدَّم بوصفها “مقدسة” لا تُقاس نتائجها بموازين الربح والخسارة التقليدية، بل بمعايير أكثر تجريدًا، ما يجعل التراجع عنها يبدو وكأنه تنازل عن الحقيقة نفسها، لا مجرد قرار سياسي.
وربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة في أن أطرافًا متقابلة قد تتبنى، في الوقت ذاته، يقينًا متشابهًا: كلٌّ منها يرى نفسه على صلة مباشرة بالمقدس، وكلٌّ منها يمنح أفعاله المعنى ذاته.
فيتحول الصراع من مواجهة مصالح إلى تصادم يقينيات، يصعب تفكيكها أو التوصل إلى تسوية بينها.
مع ذلك، فإن النظر إلى ما وراء الخطاب يكشف أن الدوافع الأساسية لهذه الحروب لا تخرج، في جوهرها، عن إطار المصالح المادية: سلطة، موارد، نفوذ، وأمن. وهي عوامل لا تحتاج إلى غطاء ديني لتوجد، لكنها كثيرًا ما تحتاجه لتُقبل أو لتُحشد حولها الجماهير.
هذا لا يعني أن الدين هو سبب هذه الحروب، بل إن الإشكال يكمن في طريقة توظيفه.
فالدين، في سياقاته الأصلية، يُفترض أن يكون إطارًا أخلاقيًا يحدّ من العنف، لا أن يُستخدم لتبريره أو تجميله.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن وصف هذه الحروب بأنها مقدسة؟
إذا كانت القداسة تُقاس بقدرتها على حفظ الحياة وصون الكرامة الإنسانية، فإن ما نشهده اليوم يثير شكوكًا جدية حول هذا الوصف.
فالحروب، مهما كانت شعاراتها، تخلّف وراءها دمارًا إنسانيًا يصعب التوفيق بينه وبين أي تصور أخلاقي سامٍ.
ربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو إعادة الفصل بين ما هو إيماني وما هو سياسي، بين المقدس بوصفه قيمة، والمقدس بوصفه أداة.
بين الدين والحرب، لأن استمرار الخلط بينهما لا يهدد فقط بإطالة أمد الصراعات، بل أيضًا بإفراغ القيم الدينية نفسها من معناها، حين تُختزل في خدمة العنف.
وفي عالمٍ تتزايد فيه الأزمات، قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من على حق؟
بل: كيف يمكن استعادة معنى الحق نفسه خارج ضجيج هذه الحروب؟.