تقارير

أطفال السودان فاقدو السند يواجهون مصير التشرد

تقرير - إشراقة علي عبد الله

يتزايد القلق في شأن استمرار إغلاق دار المايقوما لرعاية الأطفال فاقدي الأهلية الأبوية في الخرطوم منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل 2023، وسط مخاوف من مصير عشرات الرضع الذين كانوا يعتمدون على هذه الدار كمأوى وحيد للرعاية والحماية، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية بسبب الصراع الدائر في البلاد.

يأتي إغلاق هذه الدار على رغم مباشرة المؤسسات الحكومية عملها في الخرطوم في الفترة الأخيرة، عقب عودتها من مقرها الموقت ببورتسودان، مما يطرح تساؤلات حول انعكاسات ذلك على هذه الفئة التي تعاني تحديات كبيرة، أهمها تدهور الخدمات بعد نقلهم إلى ولايات الجزيرة وبورتسودان وكسلا عقب اندلاع القتال في العاصمة.

رفع الوعي

إنتصار إبراهيم التي كفلت أحد الأطفال فاقدي السند قبل اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم، قالت إن “الأطفال فاقدي الأبوين يأتون إلى الحياة في ظروف غير طبيعية، وهم من وجهة نظري في حاجة ماسة إلى أسر تسهم في تربيتهم، بخاصة الذين لم يحظوا بنعمة الأطفال”.

وتابعت “الطفلة التي كفلتها من دار المايقوما كبرت وأصبحت قريبة مني كأنني أنجبتها بسبب التفاني في رعايتها، فتبني هؤلاء الأطفال هو الحل الأمثل في ظل هذه الظروف التي يمرون بها، حتى لا يكونوا عرضة لظروف صحية تؤدي إلى وفاتهم بسبب تدهور الأوضاع الصحية وتفشي الأمراض والأوبئة التي تعيشها البلاد في ظل استمرار الحرب”.

ونوهت إبراهيم بأنه “من الضروري رفع الوعي بالأطفال فاقدي السند في ظل زيادة أعدادهم وحمل النساء والفتيات بسبب الانتهاكات الجنسية الجسيمة، مع عدم وجود دور من قبل الدولة لاحتوائهم في الوقت الحالي في ظل انشغالها بالصراع المستمر”.

فاقدي السند

رعاية بديلة

من جانبها، أوضحت سوسن عبدالله إحدى العاملات بدار المايقوما أن “هذه الدار كانت تحظى باهتمام واسع من المانحين والمنظمات المحلية والدولية اللذين يقدمان كل الحاجات الضرورية التي تساعد هؤلاء الأطفال في تنشئتهم، وتضمن عدم تعرضهم للأمراض، فضلاً عن الدعم المحلي من قبل المجتمع السوداني بكل فئاته لا سيما الميسورين منهم، إذ إن هناك عطفاً والتفافاً حول هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يمكن وصفه”.

وأردفت عبدالله “توقف هذه الدار وإبقاء الأطفال في الولايات وحرمانهم من المساعدات التي كانت تقدم لهم في مجال الإيواء والصحة والتغذية والرعاية المجتمعية، بخاصة في جانب الأم البديلة التي تغمر الأطفال بحنانها، له تأثير كبير في حياتهم، بل يعرضهم للتشرد والاعتداءات خصوصاً من بلغ سن خمس سنوات، إذ يفترض أن يجري فصلهم من الدور التي توفرها وزارة الرعاية الاجتماعية بحسب تدرج الأعمار”.

وأشارت إلى أن “دار المايقوما تعد من أهم المؤسسات العاملة في مجال رعاية الأطفال فاقدي السند بولاية الخرطوم، لكن المؤسف أن الحرب أسهمت في غياب دورها المنوطة به، وحتى بعد استئناف المهام الرسمية في الدولة لم تكن من ضمن الأولويات، لذا فإن استمرار إغلاق هذه الدار قد يفاقم أوضاع هؤلاء الأطفال، ويزيد من احتمالات الإهمال والتشرد وتعرضهم لمختلف صور العنف، مما يجعل وجود نظام رعاية بديلة أمراً ضرورياً”.

توفير بدائل

في السياق أفادت الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف بأن “الأطفال فاقدي الأهلية الأبوية يواجهون تحديات عدة، أبرزها تدهور الرعاية الصحية أثناء الحرب بعد نقلهم من الخرطوم إلى ولايات أخرى مع اندلاع الحرب، لضمان استمرار حياتهم نتيجة الظروف التي ولدوا فيها”.

وأضافت يوسف “إغلاق دار المايقوما التي تستقبل عشرات الأطفال بصورة يومية، يتطلب توفير بدائل، ومن الأفضل أن تكون عبر التبني بواسطة الأسر المقتدرة حتى تسهم في تقديم الدعم وما يحتاج إليه الطفل منذ نشأته الأولى، فوجود بدائل فعالة يؤدي إلى الحد من تعرضهم لأخطار جمة، بخاصة حديثو الولادة الذين يتركون في الطرقات العامة، إلى جانب انخفاض معدلات الوفيات التي تحدث وسط الأطفال في كثير من الأحيان بسبب الإهمال”.

واستطردت “الرعاية الاجتماعية لها أثر كبير في حماية الأطفال الأيتام، بينما تعد الكفالة الدائمة في ظل استمرار إقفال الدار من أساسات الرعاية السليمة، ويستدعي الأمر متابعة الأسر الكافلة بعد تسلم الطفل والعيش في كنف الأسرة والتأكد من توفير الاهتمام المطلوب”.

ولفتت الاختصاصية الاجتماعية إلى أن “غياب الرعاية الرسمية لهؤلاء الأطفال يزيد من مشكلات التشرد والتسول، علاوة على تعرضهم لأشكال العنف من قبل عصابات مسلحة واستغلالهم في الأعمال الإجرامية التي تفشت بسبب فوضى الحرب، مما يجعل وجود رعاية منظمة أمراً في غاية الأهمية، بيد أن هناك تساؤلات في ظل صمت الجهات المسؤولة: لماذا لم تفتح الدولة حتى الآن دار المايقوما بعد تطبيع الحياة، والبلاد في حاجة بالغة إليها لحماية الطفولة؟”.

فاقدي السند

عواقب وخيمة

من جهتها، أشارت الباحثة الاجتماعية والنفسية رانيا عبدالعاطي إلى أن الحرب أسهمت في تزايد أعداد الأطفال الذين يولدون خارج نطاق الزواج بسبب العنف الجنسي الممنهج الذي وقع على النساء والفتيات.

وزادت عبدالعاطي “في تقديري أن إغلاق دار الرعاية الاجتماعية وتوقف المنظمات الإنسانية عن تقديم الدعم، فضلاً عن المانحين الذين يقدمون العون الاجتماعي والنفسي والصحي والتعليمي، تنتج منها عواقب وخيمة لا تحمد عقباها”.

ونوهت بضرورة تفعيل برامج متكاملة تشمل محاربة عملية الإنجاب خارج منظومة الزواج أو معالجة التفكك الأسري الذي يعتبر من أكبر مهددات المجتمعات، مشددة على أن السكوت على الحمل حتى الإنجاب ترتب عليه تصاعد معدلات الأطفال غير الشرعيين، وهو ما يجعل وجود دار المايقوما أمراً ملحاً.

وحثت الباحثة الاجتماعية والنفسية في ختام حديثها على إعادة النظر في فتح دار المايقوما مجدداً والتغلب على الأوضاع الحالية، فضلاً عن استعادة جميع الأطفال فاقدي الأبوة من الولايات، مع ضرورة وجود جهات تتولى حمايتهم ورعايتهم وضمان عدم ضياعهم، إذ إن هناك أعداداً كبيرة من الأطفال وصلوا سن الدراسة ولم يجر إدراجهم في مقاعد الدراسة، مما يعرضهم لآثار نفسية واجتماعية بالغة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع