تقارير

هل من أفق جديد للحوار المدني- العسكري في السودان؟

تقرير - جمال البدوي

فيما لا يزال المشهد السوداني يتسم بالتشابك والجمود الشديدين في ظل الحرب المستعرة منذ نحو ثلاثة أعوام وأزمة سياسية مستفحلة، خلفت بصمات دامية وجراحاً عميقة على المجتمع والدولة، لا تزال تداعياتها مستمرة.

وسط هذه الأجواء، ثمة حراك سياسي يجري مع فصائل ومجموعات وتحالفات ثورية الصبغة والتاريخ، يقودها ما عرف بتحالف قوى الثورة للوفاق الوطني، بجانب قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن)، وسط حرص كبير من جانب العسكريين على إحياء الحوار مع قوى الثورة. كل ذلك مترافق مع إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان الترحيب بعودة السياسيين ممن قال عنهم إنهم اختاروا طريق الحق والتعاون مع الجيش، من أجل تكوين كتلة مدنية لبناء الدولة واستكمال مؤسساتها ووضع أسس راشدة لاستكمال تطبيع الحياة المدنية وإرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة. فما مغزى هذه الحوارات، وهل هي محاولات لاستعادة الحوار المدني العسكري مجدداً؟

مذكرة للتوافق

وتسلم البرهان، لدى لقائه وفد تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية، مذكرة لـ”التوافق الوطني”، بحضور عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام الفريق أول ركن ياسر العطا، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل.

وأوضح عضو اللجنة السياسية بالتحالف، نور الدين صلاح الدين، في تصريح صحافي، أن التحالف قدم لرئيس مجلس السيادة مذكرة تعبر عن رغبته في ابتدار حوار مع الجيش، كجزء من عملية حوارية شاملة تستهدف بناء أكبر كتلة سياسية واجتماعية ممكنة، مؤكداً أن الحوار هو السبيل الأوحد والأمثل لتحقيق التوافق الوطني الذي يمثل جسر العبور للسودان لتجاوز أزمته الراهنة.

التحول المدني

كشف صلاح الدين أن المذكرة تشتمل على عدة محاور جوهرية، أبرزها كيفية إنهاء الحرب لمصلحة دولة القانون والمؤسسات، وضبط العلاقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وابتدار مسار نحو التحول المدني الديمقراطي، بجانب قضايا التطوير العسكري والعدالة الانتقالية.

أشار عضو التحالف إلى أن الوفد وجد استجابة من قيادة الجيش، ستتبعها ترتيبات بواسطة لجان فنية لبحث القضايا السياسية، مع إجراء حوار مواز مع القوى المدنية والمجتمعية، في إطار مساهمة التحالف لقيادة البلاد نحو توافق وطني تأسيسي، منوهاً إلى أن التحالف يعمل على تبني خطاب يدعو لعملية سياسية سودانية محضة بعيداً من التدخلات الخارجية التي قد تفرض حلولاً قسرية.

القوى المدينة

مستشار ودلالات

في سياق غير بعيد، عين البرهان، أمجد فريد الطيب، مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية.

ويرى مراقبون أن اختيار فريد لهذه المهمة، وفي هذا التوقيت، يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية في سياق استقطاب وضم شخصيات وكوادر مدنية كانت محسوبة على معسكر الثورة والقوى المدنية في قوى إعلان الحرية والتغيير سابقاً، ضمن محاولات الجيش لكسر العزلة السياسية والجفوة التي حدثت عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 بين معسكري الجيش والقوى المدنية الثورية.

لا حياد أو تراجعا

في أول تصريح له عقب قبوله التكليف، شدد مستشار البرهان السياسي على ضرورة تغليب المصلحة العامة وتوحيد الجهود في هذه المرحلة الحرجة، داعياً إلى اصطفاف وطني واسع لحماية البلاد والحفاظ على مؤسساتها، بعد أن كشفت حرب أبريل (نيسان) 2023 طبيعة الصراع الدائر في السودان، واستهدفت الدولة ومقوماتها الأساسية بصورة مباشرة.

قال فريد، إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الحياد أو التراجع، مشدداً على ضرورة خوض المعارك الوطنية دفاعاً عن الدولة السودانية ومؤسساتها، وحماية وحدتها وسيادتها، مؤكداً أن انحيازه سيظل للناس ولمصالحهم، مشيراً إلى أن المسؤولية الوطنية تقتضي العمل المشترك لعبور الأزمة الراهنة ووضع البلاد على مسار الاستقرار.

حراك داخلي وخارجي

من جهته، أعلن تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن) الشروع في عملية حوار وطني لمعالجة جذور أزمات السودان المتراكمة وبناء توافق وطني لإعادة تأسيس الدولة السودانية، بمشاركة منظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة وقيادات الإدارات الأهلية والجيش.

أكد التحالف، عقب لقاءات أجراها في بريطانيا وأديس أبابا، مواصلة تحركاته السياسية والدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية من أجل الدفع نحو إنهاء الحرب الدائرة في السودان عبر مسار سياسي يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، ويمنع في الوقت نفسه شرعنة العنف أو تكريس واقع (التمليش).

القوى المدينة

مسارات متوازية

بحسب البيان، استعرض وفد “وطن” جهوده المبذولة لمعالجة الأزمة عبر مسارين متوازيين: الدفع بالحوار المدني بين القوى السياسية والمجتمعية المختلفة لبناء أرضية مشتركة تسمح بإعادة توحيد الصف الوطني حول مشروع سياسي جامع من جانب، وفتح قنوات حوار مع الجيش لمعالجة التعقيدات المرتبطة بطبيعة الصراع، والعمل على تهيئة الظروف التي تسمح بانتقال البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة تستند إلى التوافق الوطني من الجانب الآخر.

أولوية الحرب

شدد التحالف على أن إنهاء الحرب يمثل أولوية وطنية قصوى، مؤكداً التزامه مواصلة جهوده السياسية والدبلوماسية من أجل الوصول إلى تسوية تضمن وحدة السودان واستقراره وتفتح الطريق أمام مستقبل مدني ديمقراطي.

ويمثل “وطن” تحالفاً ناشئاً برز في مارس 2026، يضم مجموعة من التنظيمات السياسية والمدنية، أبرزها التجمع الاتحادي، تيار الوسط للتغيير، التيار الوطني، حزب البعث العربي الاشتراكي (قيادة قطر السودان)، حزب الإرادة الوطنية، وما يسمى حركة الحقوق الشبابية، يعمل على بلورة رؤية مدنية لإنهاء الحرب من خلال الحوار المباشر مع المؤسسة العسكرية.

“حاضنة سياسية جديدة”

في السياق، عد أستاذ العلوم السياسية محمد عبدالرحمن راضي، التحالفات الجديدة التي تقود الحراك الراهن تحت لافتة “قوى الثورة” واجهات يقف من خلفها الجيش وحلفاؤه في الحركة الإسلامية، حيث يسعى العسكريون إلى استقطاب فصائل كانت جزءاً من ثورة ديسمبر (مثل التجمع الاتحادي وبعض الأحزاب القومية)، لكنها تتبنى الآن موقفاً داعماً للجيش في حربه ضد “الدعم السريع”.

يعتقد راضي أن هدف هذه التحركات هو خلق حاضنة سياسية جديدة كبديل سياسي لتنسيقية تقدم سابقاً “تحالف صمود” الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك حالياً، بغرض عزل المعارضة الخارجية، بخاصة عقب ربط البرهان للحوار بالعودة إلى الداخل، إذ يسعى العسكريون إلى سحب البساط من القوى السياسية الموجودة في الخارج وتصويرها كقوى مرتهنة.

يتساءل الأكاديمي، “لماذا يسعى المكون العسكري في السودان إلى الحوار مع القوى السياسية والمدنية، أحياناً عبر واجهات مصطنعة أو بديلة، بينما بإمكانه التوجه مباشرة لحوار (صمود) مثلاً، فهي لم ترفع السلاح، بعكس تحالف (تأسيس) وحكومته الموازية الذي يقوده (الدعم السريع)؟”.

يردف، “من الواضح أن المشهد السياسي الراهن في السودان يشهد صراعاً حول تعريف قوى الثورة ومن يمثلها، ففي وقت يعمل فيه العسكريون على عزل تحالف (صمود) برئاسة عبدالله حمدوك سياسياً، والقوى المدنية المرتبطة بها وسحب صفة (تمثيل الثورة) منها وتصويرها كظهير سياسي للتمرد، تحاول التحالفات الثورية الحديثة تقديم نفسها كمسار ثوري بديل لخلق مشهد سياسي يضم وجوهاً ثورية متوافقة مع بقاء الجيش كضامن وحيد للمرحلة الانتقالية”.

على ضوء كل ذلك، فإن التواصل بين الجيش والتحالفات الثورية الجديدة، وفق راضي، يمثل محاولة لتحريك جمود الساحة السياسية عبر واجهات ووجوه جديدة مختلفة ومقربة، غير أن تلك التحالفات تجد نفسها أمام تحدٍ يرتبط بمدى قدرتها على خلق فرص لتوافق سياسي وطني حقيقي بعيداً من الشراكة مع العسكريين تحت مظلة “معركة الكرامة” كما يرغب الجيش، مما يضعها في مواجهة مع القوى الثورية الأخرى التي تتمسك بالمدنية الكاملة للدولة وترى في تلك التحالفات الجديدة “انقلاباً آخر” بالوسائل السياسية.

القوى المدينة

حول مدى تأثير إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الـ30 من يونيو 1989 من جانب واحد على التفاهمات الجارية مع قوى ثورية، يرى أستاذ العلوم السياسية أن إعلان عودة هذه اللجنة المعروفة بـ”لجنة إزالة التمكين” يرتبط بشكل وثيق بمسار الحوار والعملية السياسية في السودان، حيث ينظر إلى هذه اللجنة بوصفها روح الثورة وأداتها الأولى لتحقيق أهداف قوى الثورة الحقيقية، وأحد الشروط الأساسية لحماية التحول الديمقراطي واستكمال مهام الفترة الانتقالية في تصفية نفوذ النظام السابق.

وسط جدل قانوني حول مدى قانونية الإجراء بعد قرار الفريق البرهان بحلها في 25 أكتوبر 2021، أعلنت لجنة التفكيك استئناف أعمالها في ملاحقة شبكات النظام السابق واسترداد الأموال المنهوبة، في ظل استمرار الحرب والأوضاع المتدهورة في البلاد.

وقال بيان للجنة، برئاسة محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة السابق، إنها ستستأنف تفكيك بنية نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وتتبع مواردهما المالية والتنظيمية داخل السودان وخارجه، منوهة إلى رفضها قرار حلها السابق لعدم مشروعيته.

بينما يرى بعض المحللين والفاعلين السياسيين أن إعادة إحياء اللجنة في هذا التوقيت يعزز من حالة المواجهة والاستقطاب ويقلل بالتالي من فرص بدء حوار سياسي وطني شامل.

 

“مسرحية هزيلة”

على نحو متصل، يشكك الناطق الرسمي باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، بكري الجاك، في جدية أي حوار أو شيء جدي عن عملية سياسية من دون مخاطبة استحقاق إيقاف الحرب.

يعتقد الجاك أن ما وصفه بكل هذا الضجيج هو محض “هرجلة سياسية لإخراج مسرحية هزيلة بأن هناك سلطة لها شرعية خلاف الوثيقة (الممزقة) والمنقلب عليها باستدعاء قوى الثورة”.

وكان البرهان قد دعا إلى اصطفاف وطني شامل لبناء الدولة واستكمال مؤسساتها، مشدداً على أن أي عملية سلام لن تكتمل من دون إنهاء التمرد وضمان حصر السلاح في يد الدولة، معرباً عن أمله في أن يستجيب الوسطاء للمساعدة في تنفيذ مبادرات السلام التي تقدمت بها الحكومة بهدف تحقيق رغبة الشعب السوداني في تفكيك وإنهاء أي دور لميليشيات التمرد.

أكد البرهان، في كلمة قبل يومين بمناسبة عيد الفطر، حرص الحكومة على التعاطي الإيجابي مع كل مبادرات السلام التي تستوفي مطلوبات الأمن ولا تعيد أسباب الحرب مرة أخرى، مشدداً على أن أي هدنة أو وقف لإطلاق النار يجب أن يكون متكاملاً ومترافقاً مع برنامج زمني ينتهي بسلام دائم ولا يبقي على أي جسم يحمل السلاح خارج الأطر الرسمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع