تقارير

مخاوف الترحيل تحاصر اللاجئين السودانيين في مصر

تقرير - صلاح لبن

قبل نحو ساعة من أذان المغرب في الـ20 من رمضان كان محور جمال عبدالناصر بمدينة السادس من أكتوبر في مصر مكتظاً بعشرات السودانيين الذين يفترشون الرصيف بانتظار ما قد تجود به سيارات المساعدات من وجبات إفطار.

دقائق قليلة كانت تفصلهم عن كسر صيام يوم طويل، قبل أن يقطع السكون صوت صراخ مفاجئ: “حكومة!”.

في لحظة واحدة انقلب المشهد، ركض الجميع في اتجاهات متفرّقة، سيدة ضمت رضيعها إلى صدرها وهرولت بين السيارات المتوقفة بسبب الزحام، بينما كان رجل يركض وهو يتمسّك بوجبة إفطار حصل عليها لتوه بعد ملاحقة سيارة توزع الطعام. آخرون تركوا أماكنهم على عجل، واختفوا في الأزقة الجانبية، فيما احتمت مجموعة من النساء السودانيات بمداخل العمارات القريبة، يراقبن الشارع بقلق خشية أن يتحوّل الإفطار المنتظر إلى لحظة احتجاز أو ترحيل.

يتجمّع في هذا المحور يومياً عشرات السودانيين من الفئات الأكثر احتياجاً انتظاراً لمساعدات أو وجبات إفطار توزّع بشكل يومي خلال رمضان. وفي الوقت نفسه، تنفذ السلطات حملات تفتيش على إقامات الأجانب في عدد من مناطق القاهرة، وهو ما يدفع كثيراً من السودانيين الموجودين في الشارع إلى الفرار فور رصد أي حركة غريبة خشية الاحتجاز أو الترحيل.

ترحيل إجباري

ما يخشاه كثير من السودانيين في القاهرة حدث بالفعل مع الشاب قاسم (21 سنة)، إذ أوقِف قبل أسابيع من موعده المحدد لدى مفوضية شؤون اللاجئين لتوفيق أوضاعه القانونية، على رغم حصوله على موعد رسمي في الثالث من مارس الجاري.

يروي مصطفى، صديق قاسم المقرب، أن الشاب دخل مصر بطريقة غير نظامية هرباً من الحرب التي فرّقت أسرته في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.

يقول: “اضطر قاسم للسفر بمفرده بعد تشتت أفراد أسرته، وكان ينتظر موعده لدى مفوضية شؤون اللاجئين لاستكمال إجراءات تسوية وضعه القانوني، لكنه أوقف خلال حملة أمنية قبل الموعد بنحو أسبوعين، بعد انتظار دام عاماً ونصف العام”.

“ذهبنا إلى قسم شرطة الطالبية لمحاولة مقابلته، لكن لم نتمكّن من التواصل معه. حاولنا إبلاغ القسم بأن لديه موعداً مثبتاً لدى المفوضية، لكن إجراءات التوقيف استمرت. وحاولنا معرفة إمكانية نقله جواً كما حدث مع آخرين، إلا أن الترحيل الجوي متوقف حالياً، والطريق البري هو الخيار المتاح”.

وعن الأخطار التي قد يواجهها قاسم في حال إعادته إلى السودان، يقول مصطفى: “الوضع هناك غير آمن. أقاربنا أكدوا أن المنازل تتعرض للسرقة والنهب، والمنزل الذي سيعود إليه لم يعد صالحاً للسكن”، مختتماً شهادته: “الحملات لم تقتصر على قاسم فقط، بل طاولت كثيرين من معارفنا، حتى من كانت أوضاعهم القانونية أفضل، ومن بينهم طلاب في جامعة الأزهر ما زالوا محتجزين في القسم. نأمل أن تراعى ظروف اللاجئين السودانيين، وأن تسهل إجراءات توفيق الأوضاع، فالإجراءات الحالية تسير ببطء، والضغط على المفوضية كبير، ما يترك آلاف الأشخاص تحت تهديد الترحيل”.

بحسب تقرير أممي نشر قبل أيام على الموقع الرسمي للأمم المتحدة، تفاقمت المخاوف في شأن اللاجئين في مصر خلال أكتوبر 2025، مع تصاعد عمليات الاعتقال والترحيل، لا سيما بحق السودانيين، التي غالباً ما استندت فقط إلى مزاعم انتهاك تصاريح الإقامة، بحسب خبراء مستقلين.

وأشار الخبراء إلى تلقيهم تقارير عن ارتفاع حاد في اعتقال وترحيل اللاجئين، بمن فيهم عائلات، معربين عن قلقهم من خطر الإعادة القسرية للأشخاص “الموثقين” و”غير الموثقين”، الذين لجأوا إلى مصر هرباً من النزاعات والاضطهاد والأزمات الإنسانية في بلدانهم.

وأكدوا أن أي قرار بالعودة أو الترحيل يجب أن يستند إلى تقييم فردي لاحتياجات الحماية والتزامات حقوق الإنسان. محذرين من أن قانون اللجوء المصري الجديد، الذي أُقر في الـ16 من ديسمبر 2024، أثار مخاوف فورية، إذ يتضمن بنوداً قد تقوض حقوق وحماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

خارج نطاق القانون

سجّلت حالات ترحيل خارج الإطار القانوني، على رغم أن عدداً من المرحلين يتمتعون بالحماية الدولية لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويحملون تصاريح إقامة أو بطاقة التسجيل المعروفة بـ”الكارت الأصفر”، وفق ما أفاد به أشرف ميلاد، الخبير القانوني في شؤون اللاجئين السودانيين في مصر.

“كانت جهود الاستضافة والاستقرار لهذه الفئات جيدة خلال الفترة الماضية، لكن حملة الترحيلات الأخيرة التي تصاعدت خلال الشهرين الماضيين أضرت بهذه الجهود”. وأضاف أنه تلقى بنفسه ملفات أكثر من 200 حالة، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد قد يتراوح بين 10 و15 ألف شخص، لافتاً إلى أن غياب بيان رسمي من وزارة الداخلية يجعل الأرقام المتداولة مصدر المعلومات الوحيد.

وأوضح ميلاد أن ترحيل اللاجئ غير مسموح به حتى في حال عدم حمله إقامة، استناداً إلى الدستور المصري والاتفاقيتين الدوليتين اللتين انضمت إليهما مصر، إضافة إلى القانون الجديد الصادر عام 2024 الذي يمنع ترحيل اللاجئين.

وأضاف: “رُصدت حالات جرى ترحيلها رغم تقديم أصحابها طلبات لدى المفوضية، سواء حصلوا على الكارت الأصفر أو كانوا في انتظار دورهم”.

يتفق ياسر فراج، مدير مكتب “حق” لتقديم الاستشارات القانونية للاجئين السودانيين في مصر، مع ما يشير إليه أشرف ميلاد بشأن مخالفة عمليات توقيف السودانيين لقانون الإجراءات الجنائية.

وقال فراج إن القبض مسموح به فقط في حال صدور إذن من النيابة العامة أو التلبس بجريمة عقوبتها أكثر من ستة أشهر، مضيفاً أن عدم حمل إقامة أو أوراق ثبوتية لا يعد جريمة جنائية، ويجب أن يؤدي إلى إخلاء سبيل المتهم مع تسجيل الواقعة دون توصيف جنائي.

“الحملات طالت فئات متعددة تشمل كبار السن وطلاب المدارس، وتتسع نطاقها”.

وأشار إلى أن أقسام الشرطة في الجيزة تواجه ضغطاً شديداً بسبب كثافة الحالات، مما أدى إلى تكدس الموقوفين وتحويلهم إلى أماكن أخرى لاستيعابهم.

اللاجئين السودانيين في مصر

مهام معطّلة

عن دور مفوضية اللاجئين، وصف فراج تدخلها بأنه محدود، ويقتصر غالباً على التنديد، مضيفاً أن الشريك القانوني الرئيس للمفوضية، “المؤسسة المصرية للاجئين”، يواجه ضغطاً هائلاً، إذ لا يتجاوز عدد المحامين العاملين فيه سبعة محامين مقابل ما يقارب مليون لاجئ.

بحسب البيانات الرسمية، يعيش في مصر نحو 1.5 مليون سوداني لجأوا إليها طلباً للأمان حتى نهاية يناير 2026.

وتشير سجلات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تسجيل أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء حتى ديسمبر 2025، منهم نحو 834 ألف سوداني و117 ألف سوري، مع غلبة واضحة للنساء والأطفال ضمن هذه الأعداد.

بينما على الجانب الآخر، لا تبدي تهاني، سيدة ستينية تقيم في مصر منذ 23 عاماً، قلقها من تعرضها للترحيل، إذ تقول إن وضعها مستقر، وتحمل إقامة سنوية، وإجراءاتها القانونية منتظمة، لكنها تشير إلى أن الوضع اختلف بالنسبة إلى الوافدين الجدد بعد الحرب الأخيرة، خصوصاً أولئك الذين وصلوا إلى مصر بطريقة غير نظامية. وتوضح تهاني: “الإجراءات بعد الحرب أحياناً تستغرق أكثر من ثلاث سنوات للحصول على الإقامة. أنا أقيم بانتظام وأجدد إقامتي سنوياً لتسهيل تعليم أولادي، لكن الذين وصلوا عبر التهريب ليس لديهم نفس الخيارات، وغالبية من وصلوا مصر أخيراً كانوا عبر التهريب، وأوضاعهم لا تكون قانونية، لذلك يواجهون مشكلات”.

في انتظار موعد

على الجانب الآخر، يرسم الواقع صورة قاتمة أمام أعين أمير، سوداني من شمال البلاد. فور وصوله إلى مصر، تواصل مع المفوضية، لكنه حصل على موعد بعد 10 أشهر. وبعد صدور الكارت الأصفر، فوجئ بأن موعد استكمال إجراءات الإقامة لن يكون قبل عام 2028.

يقول أمير: “بحلول ذلك الوقت قد تكون الحرب قد انتهت وسأعود إلى السودان دون أن أستفيد من المواعيد، ولن أتمكّن من إتمام إقامتي أو التحرك بحرية في الشارع. أخشى الخروج من البيت وعدم العودة، وأسرتي لا تعرف عني شيئاً. أسكن في فيصل بشقة بالطابق السادس دون مصعد بسبب ضيق الحال. وفقدت الثقة في قدرة المفوضية على حمايتي”.

وبالمثل تقول ميسون، التي تعيش مع ثلاث فتيات سودانيات أخريات بلا معيل، إن ابن خالتها جرى ترحيله إلى السودان بعد اتهامه بالتورط في مشاجرة، ولم يكن يحمل أي أوراق إقامة. وتضيف: “لا نريد أن نعيش في مصر من دون أوراق. نحتاج إلى أي وسيلة لتوفيق أوضاعنا لنقيم دون مساءلة قانونية، لكن لا يوجد شيء يمكن أن نفعله”، متابعة، “نضطر إلى النزول للعمل في النظافة لعدم وجود معيل، وهذا يعرّضنا لخطر الترحيل. ونترك أطفالنا في البيت ونخرج للعمل، ونخشى من ترحيلنا دون أن نتمكّن من العودة إليهم”.

في حين تشرح أماني، ناشطة سودانية تعمل في الدعم القانوني للاجئين السودانيين المقيمين في مصر، أن اللاجئين ينقسمون إلى ثلاث فئات بحسب أوضاعهم القانونية. الفئة الأولى لديهم مشكلات قانونية أو متهمون، وحتى إذا أُخلي سبيلهم، لا يسمح لهم بالخروج إلا بعد مراجعة أوراقهم في العباسية وفحصها من أجهزة الأمن، ويرحلون غالباً.

الفئة الثانية، وفق أماني، يحملون كروت المفوضية وإقامة سارية، واحتمال ترحيلهم ضعيف، وفئة ثالثة وهي الغالبية لديهم الكارت فقط ويُعطى لهم موعد للإقامة بعد فترة طويلة. وتضيف أماني: “يبدو أن هناك اتفاقاً بين المفوضية والعباسية على إصدار عدد محدود من الإقامات لذلك يجرى إعطاء مواعيد بعد سنوات. وكثير ممن لديهم الكارت يرحلون قبل أن يتمكنوا من استكمال إجراءاتهم.

رد المفوضية

تواصلت “اندبندنت عربية” مع مسؤولة التواصل في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، كريستين بشاي، للرد على الانتقادات الموجهة إلى المفوضية، خصوصاً طول فترة مراجعة طلبات اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين وموقفهم من شهادات الترحيل.

وقالت بشاي إن المفوضية تواصل تقديم خدمات التسجيل وتجديد الوثائق للاجئين وطالبي اللجوء في مصر، بما في ذلك إصدار وتجديد بطاقات طالبي اللجوء.

وأوضحت أن الزيادة الكبيرة في أعداد الفارين من النزاع في السودان خلال العامين الماضيين أدت إلى ضغط غير مسبوق على خدمات التسجيل، ما تسبب في زيادة فترات الانتظار لبعض المواعيد إلى عدة أشهر.

وأضافت أن المفوضية تعمل على توسيع قدراتها التشغيلية وتحسين الإجراءات الرقمية لتسهيل الوصول إلى الخدمات، مشيرة إلى إتاحة عدد من الخدمات عبر منصة “ملفي” التي تتيح للاجئين المسجلين متابعة بياناتهم وطلب بعض الخدمات إلكترونياً، بما في ذلك معرفة موعد تجديد الإقامة الذي توفره السلطات المصرية من خلال المفوضية. مؤكدة أن “المفوضية لا تصدر تصاريح الإقامة في مصر، بل تصدر وثائق اللجوء المعروفة بالكارت الأصفر، فيما تصدر تصاريح الإقامة السلطات المصرية المختصة”.

وفيما يتعلق بالانتقادات المتعلقة بالحماية، قالت إن المفوضية تقدم الدعم القانوني وخدمات الحماية للاجئين وطالبي اللجوء المسجلين، وتتابع الحالات التي قد تواجه مخاطر الاحتجاز أو الترحيل، وتتواصل مع السلطات المصرية عبر القنوات المعتمدة للدعوة إلى مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة وضمانات الحماية، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية.

وأكدت أن مسؤولية حماية اللاجئين تقع أولاً على عاتق الدولة، بينما يتمثل دور المفوضية في الدعوة وتقديم الدعم القانوني والانخراط مع السلطات، لضمان مراعاة معايير الحماية الدولية، إلى جانب مناشدة المجتمع الدولي تقاسم الأعباء لدعم مصر في استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين.

“تركز جهود المناصرة على الاعتراف بوثائق المفوضية وفق مذكرة التفاهم الموقعة عام 1954، وإتاحة الوصول إلى المحتجزين، وضمان عدم احتجاز اللاجئين لأسباب إدارية متعلقة بالوثائق، والعمل على الإفراج عن الأفراد المستحقين للحماية الدولية وتقديم المساعدة للفئات الأكثر عرضة للأخطار، مثل الأطفال والناجين من العنف والأشخاص ذوي الإعاقة، مع تقييم خيارات إعادة التوطين إلى بلد ثالث عند الاقتضاء”.

وأشارت إلى أنه عقب تواصل المفوضية مع السلطات المصرية، تلقت المفوضية تطمينات بأن طالبي اللجوء واللاجئين المسجلين المحتجزين سيجري الإفراج عنهم مع مراعاة المعايير القانونية الدولية، مؤكدة استمرار متابعة الحالات الفردية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع