مدخل أول :
تظل الأخبار “الحزينة المؤلمة” تتسابق على الوصول إلى أبناء الشعب السوداني.. خاصة أولئك الذين غادروا البلاد ونزحوا بحثاً عن الأمن والأمان بعد اندلاع الحرب اللعينة، التي ستكمل بعد أيام عامها الثالث، بعد ما شردت الملايين.
وكأن شعبنا السوداني البسيط المسالم هذا قد كتب عليه الارتباط والالتصاق دوماً بالمعاناة.. ولدرجة أن المآسي صارت هي الوجه الثاني لأي سوداني.. ومع مرور الأيام تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصدر مباشر لتصدير الأحزان للمواطن البسيط، من خلال تحولها إلى ناقل سريع للأخبار الحزينة، لتبلغهم – خاصة الذين يتاجدون خارج البلاد – بالانباء المؤلمة والفواجع.
حتى واجب العزاء، بالنسبة للنازحين، فان تفاصيله تحولت، وأصبح مختلفاً لدي معظم أبناء الشعب السوداني، وصار العزاء يقام وفق معطيات جديدة، وعادات مختلفة، بعيدة كل البعد عن تلك التي عهدناها، وتعودنا عليها ببلادنا، حيث مضينا بلا قناعة في السكة الجديدة، وتحول الفيام بواجب العزاء، وارتبط بساعات معدودة. في الصالات.. يوم للنساء ويوم للرجال..!!.
مدخل مباشر :
ومن بين الأنباء الحزينة التي وصلتني خلال الساعات القليلة الماضية، كان خبر وفاة المصور البارع، والفنان المبدع “عبد الله يونس” الذي رحل عن دنيانا الفانية بعد مشوار حافل بالعطاء، كان عنوانه الأول التفاني في خدمة الصحافة، قبل أن تتلاشى الإصدارات الورقية، وتتحول الزمالة السابقة إلى ذكريات.
تزامل الراحل الفنان “عبد الله يونس” (أبو هاني) معنا في صحيفة الصدى، والتي انضم إليها بعدنا كجندي منحاز للمهنية ولا شئ سواها، بعد مشوار طويل وحافل شمل مختلف الصحف.. وهنا لا أنكر أنني كنت معجباً بلقطاته الرائعة، العميقة حتى قبل أن ينضم إلينا في صحيفة الصدى.. ورصدت وتابعت بصماته الواضحة، المعبرة عندما كان جندياً في صحيفة قوون..!!.
“عبد الله يونس” إنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. بشوش، حبوب ومحبوب من الجميع.. “أخو أخوان “، لا تفارق البسمة محياه أبداً.. كنت أجده على الدوام في حالة فرح وسعادة.. مجامل للحد البعيد.. لا يتاخر أبداً عن القيام بواجبه، مهما كانت الظروف.. فهو يتواجد باستمرار في الملاعب المختلفة، داخل العاصمة وخارجها، كما انك تجده بالمطار، يرصد ويدون كل ما يحدث بعقلية فنان مرهف، يتخذ الكاميرا وسيلة سهلة بالنسبة له لإيصال ما يصعب على الكلمات القبام به..!!.
اتذكر علي الدوام تلك الصور المعبرة الناطقة، التي يرسلها عند ما يرافق البعثات الكروية سواء للأندية أو المنتخبات، داخل السودان أو في ادغال أفريقيا والدول العربية.. حيث كنا نحرص على متابعة الالبومات التي يرسلها حال مرافقته البعثات، لا لشئ سوى لأن كل صورة يلتقطها “أبو هاني” كانت تتحدث ببلاغة، وتكشف الكثير المثير من الخبايا، خاصة تلك التي تدور في الكواليس..!!.
كانت كاميرته شاهداً على العديد من الأحداث الرياضية المفرحة والمحزنة.. داخل السودان وخارجه.. وأذكر تلك الألبومات التي نقلت فوز الهلال على مازيمبي في لوممباشي بهدفين دون مقابل.. حيث كانت صورة لاعبي الهلال (بقيادة هيثم مصطفى والمعز محجوب) معبرة للحد البعيد، لإنها كشفت عن تفاصيل ما جرى في تلك المباراة وبطريقة دراماتيكية..!!.
في مرة من المرات، طلبت منه خدمة خاصة (تخصني وأسرتي).. فانجزها عل الوجه الأكمل.. وسلمني الصورة التي طلبتها منه، والتي تتعلق “بمحمد الهادي” أبن اختي، التقطها أبو هاني له برفقة رئيس المريخ الاسبق “جمال الوالي” أثناء أحد تدريبات الفرقة الحمراء.. فما كان منه إلا أن منحني الصورة، وهي مكبرة ومبروزة..!!.
فعل عبد الله يونس ذلك، ورفض المقابل.. فاعترض وتركت الصورة معه.. ولكن في النهاية، وبعد الحاح ومناقشات طويلة وحوارات، وافق على المقترح الذي طرحته عليه.. فكان ذلك الموقف ما هو إلا تأكيد عملي لبساطته وطيبته، وشهامته.. فشكرته وحولت الصور إلى أختي وابنها.. ومنذ ذلك الموقف، توطدت علاقتي معه أكثر وأكثر.. وكنا نتجالس معا ساعات طويلة، نتناقش في العمل وغير ذلك، ونتحاور بلا كلل أو ملل.. حيث لا تفارق الضحكات حواراتنا تلك مع القفشات والمواقف.
حكى لي “أحد الزملاء” موقفا غريباً حدث للراحل المقيم “عبد الله يونس” مع أحد كباتن فريق الهلال (لا أود ذكر اسمه هنا لأسباب عديدة)، حيث امتعض ذلك اللاعب (الموهوم) من الراحل “عبد الله يونس”، وحاول الاعتداء عليه في الممر الموجود باستاد الهلال، والذي يقود من الملعب إلى غرف اللاعبين.. ولو لا تواجد زميلي (بصحيفة الصدى) في تلك اللحظة، لقام نجم الورق ذلك بالفتك بالراحل.. لكن الله ستر ولطف، وانقذ الراحل من موقف كان سيكون عصيباً..!!.
المواقف، وإذا حاولنا تناولها في هذه العجالة، فإن المساحة لا ولن تكفى، لأن الراحل “عبد الله يونس” كان بالجد من أبرز الفنانين، الذين يقدمون الصورة بكل ابعادها وتفاصيلها التي تغني عن عشرات المقالات.. واعتقد أننا لا نملك هنا إلا الدعاء له بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأن يطرح الله البركة في أبنائه، ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، ويسكنه فسيح الجنان مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
تخريمة أولى : فاز منتخبنا الرديف على مجموعة لاعبين سعوديين بهدفين مقابل هدف.. وفي ذات الوقت خسر منتخب موريتانيا أمام الأرجنتين بنفس النتيجة.. المحصلة أن موريتانيا لم تستفيد أي شئ بينما جنى رديفنا فوائد لا تحصى ولا تعد.. (خلاص صدقناكم يا عطا المنان وكواسي أبياه وعرفنا الكذاب منو)..!!.
تخريمة ثانية : رغم روعة ملاعب رواندا موريتانيا وجنوب السودان فإننا لم نسمع في يوم من الأيام بتدخل أمر راس في تلك الدول ليصدر توجيهات بتأهيل الملعب الفلاني أو العلاني.. (أنها الثوابت السودانية التي لا وجود لها إلا عندنا)..!!.
تخريمة ثالثة : قلناه بالأمس، ونعيدها اليوم، ونشير إلى أن الدخلاء، على الإدارة الرياضية بالأندية والاتحادات، والإعلام، هم الذين ابتدعوا كل التجاوزات الأخيرة، واستخدموا الألفاظ الدخيلة لممارسة الشماتة والمكاواة، وادمنوا التعاقدات الفاشلة.. وهنا فإننا نؤكد أن كرة القدم والصحافة الرياضية بريئة من تلك الصفات، التي تدل على مرض متأصل داخل نفوس البعض..!!.
همسة : الراحل المقيم “عبد الله يونس” استحق لقب (صاحب الصورة الناطقة).