لم يفعل أحد أكثر من دونالد ترمب في تكريس شعار «أميركا أولاً» في السياسة العالمية، في إطار تركيزه على مصالح الدولة الوطنية قبل أي اعتبار آخر. وفي الوقت نفسه، يتبنى قادة آخرون نهجًا قوميًا مشابهًا، مثل الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، اللذين يركّزان على تعزيز سلطة الدولة ووضع مصالحها فوق أي التزامات دولية.
وعلى الصعيد الأوروبي، يظهر اليمين الشعبوي، ممثلاً في سياسات فيكتور أوربان في المجر وأحزاب مشابهة، التي تختلف في سياقاتها المحلية، وإن كانت تتفق على تعزيز نفوذ الدولة على حساب الحريات الفردية والمبادئ الديمقراطية.
إخفاق الدولة
يؤكد المفكر البريطاني-الهندي رانا داسغوبتا، في كتابه (ما بعد الأمم: تشكل نظام عالمي وتفككه)، إخفاق الدولة القومية، خصوصًا فيما يتعلق بدورها كضامن للحقوق الفردية والحرية والازدهار. ومع أن قادة مثل ترمب ومن يتقاسمون توجّهاته يركّزون على مصالح الدولة الوطنية على حساب الالتزامات الدولية، فإن غالبية البشر، أي أكثر من 99% من سكان العالم، يجدون أنفسهم بلا حماية أو أدوات كافية للحصول على حياة كريمة.
الانهيار الاقتصادي
بالنسبة للاقتصادي إيسوار براساد، أصبح العالم غارقًا في دوامة الانهيار، حيث يؤدي الاضطراب الاقتصادي إلى توترات سياسية وإلى المزيد من الفوضى. فيما يحذر المؤرخ أود أرنه فيستاد من مغبة الانزلاق نحو فوضى عارمة مشابهة للتي حدثت في أوروبا في مطلع القرن العشرين. أما الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش، فيرى في صعود الصين نظامًا عالميًا جديدًا يضع الولايات المتحدة أمام العاصفة مباشرة، مما ينذر باضطرابات كبرى على المستوى الدولي، تشبه المناخ الذي سبق الحرب العالمية الأولى.
التحديات الغربية
صحيح أن شعور التقدم تلاشى في الغرب إلى حد بعيد، حيث تتراجع المؤسسات الأميركية وتضعف آليات الضبط والتوازن، بينما يصعب على الاتحاد الأوروبي تحقيق خطوة كبرى نحو التكامل في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ويشير داسغوبتا إلى أن الأمل الغربي في التقدم، الذي انبثق من عصر الأنوار، ظل طوال الوقت وهمًا، إذ ارتبطت أكثر منجزاته منذ بداياتها بالمصالح الخاصة والاستعمارية، وليس بالعدالة أو المساواة الحقيقية.
خطر الحرب
ويخلص داسغوبتا وفريقه من المفكرين إلى أن عبادة الدولة القومية هي العقبة الرئيسة أمام أي تقدم عالمي. فصعود القوميين، من ترمب إلى بوتين وشي جين بينغ، يزيد من خطر اندلاع حرب عالمية، خاصة مع امتلاكهم أسلحة متقدمة وصواريخ فائقة السرعة وأنظمة ذكاء اصطناعي. ومع ذلك، يلمح داسغوبتا إلى أن الليبرالية نفسها يمكن أن تُعاد صياغتها بصورة أكثر شمولية، وأن القانون الدولي قد يُستعاد ويُعاد تشكيله إذا وُجد جهاز عالمي قادر على فرضه بعيدًا عن الدولة الفردية.
الذكاء الاصطناعي
وفي خضم كل هذا، يبقى الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر الأمل، إذ يستطيع تعزيز القدرات البشرية، وتوسيع نطاق التعليم والخبرة الجماعية، ويتيح فرصة لرؤية عالمية أكثر تنسيقًا، مما يعزز القدرة على فهم المصالح المشتركة وتجنب الانهيار، ويهيئ الإمكانيات اللازمة للتغيير الجذري إذا تم استغلال هذه التكنولوجيا بحكمة وإنسانية، وفقًا لداسغوبتا.