مقالات

​كانتي.. (يا الزارعنك في الصريف)

محمد عبد الماجد

التراثُ السوداني مليءٌ بقيمٍ ومُثلٍ عظيمة، عندما ننظرُ إلى واقعنا قد نُصاب بالإحباط وينالُ منا الحزنُ؛ (الكهرباءُ قاطعة، الكديسةُ شربت اللبن)، لكن عندما ننظرُ إلى تاريخ هذا البلد وموروثاته نشعر بالفخر ونمتلئُ غبطةً. ربما توازننا النفسي وسلامنا الاجتماعي نستمدُّه من ذلك الإرث العظيم، لوطنٍ نحبُّه (ضاحكاً وعبوساً) كما يغني محمد وردي لشاعر الشعب محجوب شريف.
وحميّد يقول: (إذا كان العكار من طين.. كمان من طين بجي الرواق).
​الأغنية السودانية إحدى كنوزنا التي نجد فيها هوانا، بما يتوافق مع أخلاقياتنا. أقفُ اليوم عند إحدى الأغاني التراثية الكردفانية، ومن كردفان دائماً يشعُّ ذلك الحنين؛ كردفان لم تُكتشف بعد، هي أرض الإبداع والثروات.. هي أرض الجمال والخير.. أرض الخلاوي و”التَّبَرُوقَة”.
لا يمكن أن تتجاوز “الأبيض” و”بارا” و”بابنوسة” في الأغنية السودانية؛ فقد رفدت كردفان مكتبة الأغنية السودانية بمبدعين لم يبدعوا فقط في أغنية كردفان، وإنما أبدعوا كذلك في أغنية الوسط، ونافسوا بكلماتهم وألحانهم أغنية الخرطوم، أو “أغنية الوسط” كما تُعرف.
​اللحنُ الكردفانيُّ مثل القهوة.. لا يُقاوم.
لا أحد يمكن أن يغفل دور إبراهيم موسى أبا، وصديق عباس، والدكتور عبد القادر سالم ، وثنائي النغم، في طفرة الأغنية السودانية، بل إن الأغنية السودانية حققت الانتشار والعالمية بفضلهم. أقف اليوم عند الأغنية التراثية (أندريا)، وهي أغنية قدمتها نانسي عجاج في السنوات الأخيرة على طريقة فصل الخريف في تلال كردفان، حينما تبدو “الظباء” مثل الصبايا في كثبان الرمال.
​يُقال إن كلمة “أندريا” نفسها ليست اسماً أعجمياً كما قد يظن البعض، بل هي “نداء” أو “صرخة” وجدانية تعبر عن الحزن والاشتياق؛ ويُقال إنها اسم لشخص كان يعمل في قيادة “اللواري” (الشاحنات) التي كانت وسيلة التواصل الأساسية بين الفيافي والمدن في ذلك الوقت.
​وفي الأغنية السودانية تُستعمل بعض المصطلحات أو الأسماء كنداء أو استغاثة للدلالة على الحنين، ونجد تأكيداً على ذلك استعمال اسم (البلال) في أغاني البنات؛ (يا بلال تزورني مرة) كما تغني عائشة الفلانية، أو (بلالي متين يجي) كما يغني صديق أحمد، أو (البلال بلال يا بلالي أنا) كما يغني عبد الرحمن بلاص، وكل هذه الأغنيات تُعتبر أغاني تراثية. ونحن في أغنياتنا أو تعبيراتنا الوجدانية كثيراً ما نستعمل كلمة (حليل)، وهنا يظهر حمد الريح في كمية من “الحليلات”؛ (حليلو قال ناوي السفر) في أغنية عثمان خالد “إلى مسافرة”، أو (حليل الراحو خلوا الريح تنوح فوق النخل)، و(حليل ناس ليلى وقت الليل يجن) في أغنية “الرحيل” لسليمان عبد الجليل.. ومصطفى مضوي يغني: (حليلي أنا اللّما عارف ولا طول عمري كله نضم)، وأحمد فرح من كلمات إسماعيل حسن يغني: (حليلك يا بلدنا). وحليل كلمة حنينة، مشبعة بالحنين، وهذا بحرٌ طويل يمكن الحديث عنه في مقالات؛ فكلمة (أندريا) إحدى وسائل الاستنجاد العاطفي أو إحدى سبل الخطاب الوجداني في كردفان.
​استوقفنا في الأغنية الاستعمالُ العبقريُّ لكلمة (الصريف).
الصريف هو سياج أو سور يُصنع عادةً من القش أو سيقان الذرة (القَصَبَا) أو جريد النخل، حيث تُربط هذه المواد مع بعضها البعض بإحكام لتشكل حاجزاً. وعادة يحدث ذلك في البيوت، إذ يتم خاصة في الغرب تسوير مساحة في البيت لزراعة الخضار؛ والزراعة التي يتم تسويرها في البيت أو في “الحوش” أو في “الفسحة” قِدّام البيت، تحظى في الغالب بالاهتمام والرعاية، لذلك تثمر بصورة أحسن وتطرح أفضل ما عندها.
والزراعة المحاطة بذلك “الصريف” هي زراعة محروسة من الأغنام ومن الطيور، وتُوفّر لها المياه، وهي تحت العين؛ تُنظف وتُتابع وهي تكبر يوماً بعد يوم.
​زراعة “الصريف” تلك ذكرتني بالرعاية التي وجدها “موسى حسين كانتي” لاعب المريخ السابق، الذي انتقل للمريخ وهو صغير (تحت 16 سنة) قادماً من مدينة كسلا الوريفة؛ وجاء للمريخ كموهبة نادرة فاندهشوا به أيما اندهاش، ورعوه على طريقتهم ومنعوا عنه العين، حتى إنهم بخلوا عليه بفترة معايشة في إنجلترا خوفاً من أن يفقدوه. “ديل كانوا بخافوا عليه من العين”.
لكنهم مع حرصهم الشديد عليه قدموه -بعد أن أثمر- هديةً للهلال؛ فقد كان حرصهم الشديد سبباً في أن ينفر منهم وينتقل للهلال. الوضع لم يعجبه في المريخ.. “الجابرو على التمهيدي شنو؟”.
​إنه “زراعة الصريف” نفسها: (يا الزارعنك في الصريف.. أندريا.. بسقيك بلا خريف.. أندريا).
وفي الأغنية، “زراعة الصريف” دلالة معزة وغلاوة، فهي زراعة تجد من الرعاية أن تُسقى من البيت، من “موية الشراب”، وليس من الخريف.
​يا الزارعنك في الصريف… أندريا
بسقيك بلا خريف… أندريا
كان ما الصبر تكليف…
من بيتكم ما بقيف… أندريا
حلاوة القرطاس…
يا الفي الخشيم تتماص… أندريا
لو ما كلام الناس…
برحل معاك خماس… أندريا
نشلعه ونبنيه…
ما تقولوا عاجبني… أندريا
همك طاردني…
تفسيرك غالبني… أندريا
القمري قوقا وطار…
خلاني للأفكار… أندريا
بالكبري قوقا وطار…
اللوري جا منغّل…
وشايل قزاز الخل… أندريا
​حلاوة القرطاس، تشبيه بديع آخر، ومن خصائص حلاوة القرطاس (الفي الخشيم تتماص).
لاحظ تصغير (الخشم)، إلى (الخشيم)؛ من قناعاتي أن هذا الإبداع لا يمكن أن يحدث إلا في السودان.
الأغنية هي أفضل ما غُنِّي لزراعة الصريف، وهي تجسيد بديع لواقع يعيشه الناس في الغرب، وتشبيه بحالة موجودة يدرك الأهالي قيمتها؛ لذلك شُبّه المحبوب بـ “الزارعنك في الصريف”. هذا تشبيه بديع، منح المحبوب مكانة سامية وخصّه بتلك الخصوصية التي تجدها زراعة الصريف.
زراعة الصريف، زراعة مدسوسة ومحفوظة، ومحروسة، وكل هذه المغريات كان كانتي يحظى بها.
​موسى حسين كانتي هو فعلاً “زراعة الصريف”؛ فقد حرسه المريخاب وقفلوا عليه سوره، وعملوا له صريفاً، ولكن مع ذلك وصل له الهلال. يختلف موسى كانتي عن كل الصفقات التي انتقلت من المريخ إلى الهلال؛ ولا أعتقد أن هنالك نجماً في القمة السودانية في سنّه انتقل من المريخ إلى الهلال أو العكس بمثل موهبة وفي سن موسى كانتي.
​قبل سنوات، انتقل من الهلال إلى المريخ اللاعب حاتم ماردونا، الذي كان يلعب في شباب الهلال، ولكن اللاعب لم ينجح وسرعان ما انطفأ بريقه؛ كما أن حاتم ماردونا لم يكن في نجومية وشهرة كانتي اللاعب المعروف ولاعب المنتخب الأول والموهبة القادمة بقوة. وقبل سنوات قليلة أيضاً، انتقل من شباب المريخ “أحمد ميسي” إلى الهلال، ولكن أحمد ميسي أيضاً لم ينجح فانتقل سريعاً إلى فريق الجريف.
​موسى كانتي حالة مختلفة؛ فهو مع أنه صغير في السن (لم يكمل العشرين) إلا أنه لاعب منتخبات، ومتفق على موهبته التي لا خلاف حولها. ومن المريخ انتقل للهلال كابتن المريخ “بابكر موسى الحلو” (باكمبا)، وهو لاعب أضاف الكثير للهلال، ويكفي أنه سجل للهلال في المريخ “بالطرشة” مرتين. وقبله كان قد انتقل للهلال من المريخ اللاعب “عبده الشيخ”، وهو لاعب أحدث طفرة فنية في الهلال رغم أنه جاء من المريخ وهو مصاب.
ويبقى طارق جاديكا من أفضل المواهب التي عرفتها الملاعب السودانية وقد انتقل للهلال بعد أن لم يجد نفسه في المريخ. جاديكا يمثل الآن حالة من حالات التفرد في الفهم الفني والإداري.
​ولا ننسى اللاعب “علاء الدين يوسف” (فييرا) الذي قدم أجمل ما عنده وعاش أحلى أيامه في الهلال، وجمهور الهلال لا يمكن أن ينسى “فييرا” وما قدمه من إبداع، رغم أنه عاد للمريخ بسبب شطبه بقرار إداري مع هيثم مصطفى. وانتقل من المريخ إلى الهلال حمودة بشير ونصر الدين الشغيل؛ أفضل من قدما مردوداً فنياً في الهلال بعد الانتقال من المريخ. (حمودة والشغيل تاريخ لا يُقارن).
​ويبقى انتقال شرف الدين شيبوب للهلال من أشهر الانتقالات التي حدثت في السودان، وشيبوب أيضاً من المواهب النادرة، وقد انتقل للهلال من المريخ وهو في سن صغيرة وبعد ضجة لم تكن تقل عن ضجة انتقال علاء الدين يوسف، وهو الانتقال الأشهر في تاريخ القمة السودانية، إلى جانب انتقال هيثم مصطفى للمريخ.
​كذلك لا يمكن أن ننسى الإضافات الكبيرة للمريخ التي أحدثها انتقال هيثم طمبل، ومجاهد أحمد محمد، وبكري المدينة، وحتى هيثم مصطفى -كما ذكرنا- و”الغربال” رغم قصر فترتهما في المريخ. وتبقى انتقالات النجوم في القمة السودانية من “العرضة جنوب” إلى “العرضة شمال” أو العكس ذات قيمة فنية كبيرة، وهي دائماً ما تُحدث الأثر الفني المقرون بالشغف الجماهيري والخبطة الإدارية القوية.
​طبعاً لا نستطيع أن ننسى انتقال مصطفى كرشوم ومحمد المصطفى للهلال، وهما في اعتقادي قد يكونا صاحبي الإفادة الفنية الأكبر في تاريخ الانتقالات، إلى جانب عبده الشيخ وحمودة بشير وفييرا والشغيل. كرشوم ومحمد المصطفى وموسى كانتي -إضافة لعلاء الدين يوسف وشيبوب- كانت فرحة تعاقد الهلال معهم فوق التصور، فقد سعدت جماهير الهلال كثيراً بتعاقد فريقهم معهم.
​يُحسب لـ “العليقي” ثلاث صفقات من ذهب انتقلت للهلال في عهده أو تحت تخطيطه وتدبيره، وهي إضافات لا يمكن أن نقول عنها إنها كانت في إطار “الخبطات الإدارية” المدوية فقط، لأنها في الأصل إضافات فنية ثقيلة ويُنتظر منها الكثير؛ يكفي ما يقدمه النجم مصطفى كرشوم مع الهلال في أول مواسمه مع النادي الأزرق.
​وفي جانب الأجانب، انتقل من المريخ للهلال المغربي سعيد الزنزوني، وجمال سالم، والغاني أوكرا، والنيجيري سالمون جابسون. ومن الهلال للمريخ انتقل كلتشي وتراوري ونيلسون لازجيلا (الذي انتقل للمريخ من هلال الأبيض بعد أن كان قد انتقل من الأهلي الخرطوم للهلال). هنالك أسماء نجحت وأسماء لم تنجح في الناديين، ولكن يبقى انتقال النجم بين طرفي القمة دائماً هو الحدث الإعلامي والجماهيري الأبرز في الساحة، حتى وإن حدث بعد ذلك إخفاق فني.
​موسى كانتي أعتقد أن كل عوامل النجاح تتوفر فيه وتتوفر له؛ فهو قد انتقل للهلال عن طريق الرغبة الأكيدة، وبعد الصعوبات التي وجدها في المريخ وساعدت في انتقاله، والمستقبل يفرد جناحيه لكانتي في الهلال، فهو يمكن أن يعطي لمدة (15) سنة قادمة بإذن الله وتوفيقه.
​في الهلال الآن خبرات كبيرة يمكن للعناصر الشابة الاستفادة منها، مثل الغربال وفارس وكرشوم وصلاح عادل وروفا وبوجبا والطيب عبد الرازق. وهنالك عناصر شابة ومواهب قادمة مثل مازن فضل وسيمبو وأحمد عصمت كنن وخاطر عوض الله ووائل جلال وعلام وعادل حمدان وياسر الفاضل وكردمان وطرزان، إلى جانب المواهب الشابة الأجنبية جان كلود وكوليبالي وفولمو وأكيري وكول؛ كل هذه العناصر قريبة في السن وهي “طالعة” في وقت واحد.
​والأكيد أن الهلال في التسجيلات القادمة يعيد المدافع الممتاز أحمد راموس من هلال المناقل، وأمجد قلق من الزمالة أم روابة، وعصمت عبد الحميد من هلال الساحل وسليمان عز الله.
​فنياً، أعتبر أن كانتي قد يكون الأفضل في تاريخ الانتقالات في القمة السودانية؛ لأنه لاعب صغير في السن وموهبة كبيرة، تمرحلت وتدرجت في كل المراحل السنية للمنتخبات حتى وصلت للمنتخب الوطني الأول وأحدثت فيه إضافة. كانتي هو رؤية فنية تؤكد سلامة الفكر الهلالي، وتجعلنا نشعر أن من يخطط للهلال يخطط له بوعي كبير.
​هو ليس مجرد تخطيط وكفى؛ هو تخطيط وقدرة للوصول للهدف، فإن تصل إلى “المزروع في الصريف” فهذا أمر يُحسب لك، ويجعلنا نشعر أن الهلال قادر -إن شاء الله- على تحقيق أهدافه حتى وإن كانت بعيدة وصعبة.
​شكراً للمريخ الذي حرم كانتي من فرصة التعايش وربما الاحتراف في أوروبا، وجاء ومنحه للهلال “هدية” على طبق من فضة. شكراً لكانتي لأن رغبته كانت كبيرة في الانتقال للهلال؛ الرغبة التي جعلته يصبر على ما يلاقي في المريخ من أجل الانضمام لـ “هلال الملايين”.
أنت الآن في هلال الحركة الوطنية فأنعم بما أنت فيه يا كانتي. أنت الآن في هلال الشعب، لا بد أن أقرانك في المريخ يحسدونك على ما أنت فيه من نعمة. شكراً لمسيرة مجذوب الذي عمل من أجل مصلحة لاعبه دون النظر إلى “هلال مريخ”.
​أشعر بما فيه المريخاب من ضيق وما يعانون منه بسبب انتقال كانتي، لذلك أجد لهم العذر في ذلك الانصهار التام مع “نهضة بركان” وفي التوافق الوجداني الكامل معهم ضد شكوى الهلال للفريق المغربي.
…..
​متاريس
​كانت من أسعد اللحظات لنا أن نشاهد كانتي في الهلال.
​نحن سعداء بكانتي في الهلال، لكن كانتي أسعد منا بالهلال.
​كانتي وجد نفسه.
​الزول دا في الصور فرحان.. إنتو يا ناس المريخ الزول دا شاف منكم شنو؟ الفرحة عاوزة تكتلو!
​أندريا!!

​ترس أخير: الهلال فعلاً في حاجة للاعبين قادرين على الانتصار على الخصوم و”الكاف” والتحكيم والمنشطات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع