
في حدث غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، فاز السياسي الأمريكي من أصل أوغندي زوهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليصبح أول مسلم يتولى هذا المنصب في واحدة من أكثر المدن تأثيرًا في العالم. وجاء فوزه بعد حملة انتخابية صاخبة، أنهت صعوده السريع من نائب محلي مغمور قبل عام واحد فقط إلى أبرز الوجوه السياسية في الحزب الديمقراطي.
من زاوية إفريقية، فإن فوز ممداني يحمل رمزية سياسية وثقافية عميقة. فهو ينتمي إلى قارة طالما عانت من تهميش أبنائها في الساحة الدولية، ليصبح اليوم أحد أبرز صانعي القرار في مدينة تُعد مركزًا للمال والثقافة والسياسة العالمية. هذا الانتصار يعزز صورة الجاليات الإفريقية في المهجر، ويمنحها ثقة جديدة في قدرتها على التأثير والمشاركة في الحكم وصياغة السياسات العامة في الغرب.
كما يُتوقع أن يسهم فوز ممداني في تعزيز العلاقات بين إفريقيا والولايات المتحدة على مستوى المدن والمجتمعات، إذ أعلن في أكثر من مناسبة اهتمامه بتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي مع القارة الأم، ولا سيما في مجالات الابتكار والتعليم والطاقة المستدامة.

ممداني، الذي وُلد في أوغندا ونشأ في جنوب إفريقيا قبل أن يهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة، يُعرف بانتمائه إلى التيار الاشتراكي الديمقراطي وبخطابه التقدمي الداعي إلى العدالة الاجتماعية والمساواة بين المهاجرين والمواطنين. وقد ركز خلال حملته على قضايا الهجرة والإسكان والعدالة المناخية، مؤكدًا أن “نيويورك ستظل مدينة المهاجرين، التي بُنيت بسواعدهم وتُدار بعزيمتهم، واليوم تُقاد على أيديهم أيضًا.”
وفي خطابه أمام مؤيديه بعد إعلان فوزه مساء الثلاثاء، وجه ممداني رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هاجمه مرارًا خلال الحملة، قائلاً: “إلى دونالد ترامب، أعلم أنك تتابعنا، فاستمع جيدًا: نيويورك ستكون النور في هذا الظلام السياسي.” وأضاف متحديًا: “إن أردت الوصول إلى أحدٍ منا، فعليك أن تمر بنا جميعًا.”.

وبما أن نيويورك تُعد منذ سنوات من أبرز المدن التي ترفض التعاون مع سلطات الهجرة الفيدرالية في تنفيذ قرارات الترحيل، وتمنح المهاجرين غير النظاميين حماية قانونية وخدمات أساسية. ففوز ممداني، وهو نفسه مهاجر ومنحدر من أصول إفريقية ومسلمة، سيجعل من المدينة رمزًا للمقاومة المدنية ضد سياسات الترحيل الجماعي، وقد يُلهم مدنًا أمريكية أخرى لتبني مواقف مشابهة.
على الجانب الآخر، هذا الفوز يمكن أن يدفع إدارة ترامب – إن مضت في مسارها المتشدد – إلى استخدام نيويورك كمثال تحذيري في خطابها السياسي، أو إلى محاولات لخفض التمويل الفيدرالي للبرامج الاجتماعية في المدينة بحجة “عدم الامتثال للقانون الفيدرالي”. لكن هذا المسار سيكون محفوفًا بالعقبات القانونية والسياسية، لأن الدستور الأمريكي يمنح المدن صلاحيات محلية واسعة، ولا يسمح بفرض عقوبات انتقامية من هذا النوع دون سند قضائي قوي.

بعبارة أخرى، فوز ممداني لن يوقف سياسات الترحيل على المستوى الوطني، لكنه سيجعل مقاومتها أكثر علنية ومنظمة، وربما يفتح جبهة جديدة من الصراع السياسي بين البيت الأبيض والمدن الكبرى.
من زاوية أوسع، هذا الانقسام يعكس تحوّلًا عميقًا في المجتمع الأمريكي نفسه: صعود مدن يقودها أبناء مهاجرين، في مقابل إدارة فيدرالية تميل نحو القومية البيضاء، أي صراع على معنى “الأمة الأمريكية” ذاتها.
نجاح ممداني، الذي ينحدر من عائلة فكرية مرموقة (إذ هو نجل المفكر الأوغندي الشهير محمود ممداني)، يشكل كذلك رسالة أمل للشباب الأفارقة بأن جذورهم ليست عائقًا أمام الطموح، بل مصدر قوة وهوية قادرة على العبور إلى مراكز القرار العالمي.
بهذا الفوز، تدخل نيويورك مرحلة جديدة من تاريخها، فيما تفتح إفريقيا صفحة فخر جديدة في سجل أبنائها الذين يواصلون إثبات أن تأثير القارة لم يعد محدودًا بجغرافيتها، بل يمتد حيثما يوجد صوت أفريقي مؤمن بالتغيير.



