
تتسع رقعة الحرب في السودان كدوامة لا تهدأ، تمتد من دارفور إلى كردفان، وتعيد المدن إلى حالة اختبار يومي لقوة الأطراف المتحاربة وقدرتها على الاحتفاظ بموطئ قدم وسط هذا الانهيار الشامل. ومع احتدام القتال في شمال دارفور، برزت قضية التحقيق الأممي في أحداث الفاشر كملف سياسي يوازي ضجيج المدافع على الأرض، بعدما أعلنت الخرطوم اعتراضها الصريح على خطوة ترى فيها مساساً مباشراً بسيادتها وإعادة تدوير لسردية منحازة للصراع. هذا التوتر السياسي يتقاطع بدوره مع اشتعال الجبهات في كردفان، حيث تشهد مدينة بابنوسة تطورات ميدانية متسارعة تكشف حجم التحول في ميزان القوة.
منذ الأحد، تواصلت المعارك الأعنف منذ أسابيع داخل بابنوسة ومحيطها، وهي مدينة تُعد آخر معاقل الجيش في غرب كردفان، ما جعلها هدفاً مركزياً لهجمات الدعم السريع. خلال ساعات قليلة، توالت روايات متعددة تؤكد سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من المدينة واقترابها من قيادة الفرقة 22، نقطة الثقل العسكرية الأهم. في المقابل، بقي الجيش متحفظاً في بياناته، مكتفياً بالتأكيد على استمرار القتال ومحاولات الصمود.

هذا المشهد الميداني المعقد جاء متزامناً مع بروز ملف آخر يشعل جبهة السياسة الدولية. الاعتراض السوداني على تحقيق أممي في أحداث الفاشر بدأ من فكرة التفويض نفسها، إذ ترى الخرطوم أن أي لجنة مستقلة للتحقيق تمثل تجاوزاً لقرارها بإنهاء مهمة يونيتامس، وإحياءً جديداً لآلية أممية تعتبرها انتقاصاً من حق الدولة في إدارة شؤونها. ومع ربط الأمم المتحدة التحقيق بانتهاكات محتملة ضد المدنيين، شعرت السلطات بأن الاتهام موجه إليها مباشرة، الأمر الذي رفع درجة التوتر في خطابها الرسمي.
هذا الرفض يرتبط أيضاً بمخاوف من “تسييس” التحقيق، إذ يعتقد مسؤولون سودانيون أن أي لجنة أممية قد تنتج رواية تُضعف موقف الجيش وتمنح خصومه مكاسب سياسية، خاصة أن الميدان في الفاشر يشهد تداخلات قبلية ومجموعات مسلحة غير نظامية، وليس مجرد مواجهة ثنائية بين الجيش والدعم السريع. كما تخشى الخرطوم من أن يؤدي التحقيق إلى نتائج قانونية لاحقة، سواء على مستوى العقوبات أو الإحالات الدولية، وهو هاجس يتردد كثيراً داخل دوائر صنع القرار.

وبالعودة إلى غرب كردفان، بدا أن قوات الدعم السريع تواصل تحركات محسوبة، مدفوعة بما تصفه بـ”تقدمات نوعية”. امتلاكها مساحات واسعة في الفولة والمجلد والميرم منحها حرية حركة كبيرة، مع تكثيف القصف المدفعي على محيط الفرقة 22 تمهيداً لاقتحام شامل. وفي الوقت ذاته، يدفع الجيش بتعزيزات من محاور أخرى لاستعادة بارا والتوغل نحو الحمادي والدبيبات، إدراكاً منه أن السيطرة على كردفان ليست مجرد مكسب ميداني، بل ضمان للتحكم بخطوط الإمداد بين الخرطوم ودارفور.
وفي خضم هذا التصعيد، ظهر عبد الرحيم دقلو في محيط بابنوسة بموكب مدرع وأجهزة متطورة، في مشهد يحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة. الظهور كان جزءاً من معركة الصورة، حيث يسعى كل طرف لإثبات امتلاكه زمام المبادرة. لكن على الأرض، يبقى المشهد ضبابياً، مع تقارير تؤكد سيطرة الدعم السريع على مواقع عسكرية مهمة، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن الجيش ما زال يقاتل داخل الجيب الجنوبي للفرقة 22، ما يجعل الساعات المقبلة حاسمة.

الهجمات المتواصلة منذ تسعة أيام ألحقت دماراً واسعاً داخل مقر الفرقة 22، في حين كان هجوم السادس عشر من نوفمبر الأكثر شراسة، بعدما تصدى له الجيش باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، موقعاً خسائر كبيرة في صفوف القوة المهاجمة. وتكشف مصادر عسكرية أن الطيران الاستراتيجي لعب دوراً مفصلياً، موجهاً ضربات دقيقة ضد العربات المدرعة للدعم السريع، وهي نقطة تفوق ميدانية لطالما اعتمدت عليها قواته في اختراق الدفاعات.
ومع تصاعد القتال في بابنوسة، تتأزم الجبهات الأخرى في السودان. في كازقيل وأم دم حاج حمد، انسحبت قوات الجيش بعد ساعات من دخولها، في مؤشر على ضغوط ميدانية هائلة. وفي ولاية نهر النيل، تفجرت أزمة أمنية بالتزامن مع إبعاد مجموعة “3 يا جن” من أحياء عطبرة بعد خلاف مع أحد عناصر الاستخبارات، ما فتح نقاشاً واسعاً حول حدود الأمن الرسمي وغير الرسمي في مدينة تعيش توتراً مزمناً.

أما على الجبهة الإنسانية، فالأرقام تتحدث بوضوح عن كارثة مستمرة: أكثر من 120 ألف قتيل، ونحو 14 مليون نازح، وتزايد في خطر المجاعة مع تراجع المساعدات. وفي النيل الأزرق، أعلن الحاكم أحمد العمدة بادي فتح مراكز التدريب خلال 72 ساعة، داعياً إلى التجنيد في كتائب المقاومة الشعبية، في خطوة تعكس حالة الاستنفار العامة التي تعيشها الولايات.
وسط هذه اللوحة المتشابكة، يبدو أن السودان يواجه حرباً تتجاوز حدود الجغرافيا نحو صراع على الرواية والتفويض والشرعية. اعتراضه على التحقيق الأممي في الفاشر ليس مجرد موقف إجرائي، بل جزء من معركة أوسع حول من يصوغ الحقيقة ومن يمتلك تعريف العدالة وسط هذا الانهيار. وفي الوقت ذاته، تتواصل معارك كردفان كجبهة حاسمة قد تعيد رسم خريطة النفوذ العسكري. ومع كل جولة قتال جديدة، يصبح المدنيون أكثر تعرضاً للخطر، فيما يبتعد أمل التهدئة خطوة أخرى في بلد يتغير فيه ميزان القوة كل يوم.



