
لو أرادت حكومة بورتسودان من المحكمة أن تبحث وتحقق في هذه الانتهاكات فعليها التوقيع على نظامها الأساسي والتصديق على الانضمام لتصبح للمحكمة ولاية على كل السودان.
هناك مواقف حكومية وسياسية متناقضة من المحكمة الجنائية الدولية، وسرديات متعارضة يتم جلب كل منها مرة لتناسب حالة معينة، ثم يتم سحبها ليتم استبدالها برواية أخرى.
الحقائق تقول إن السودان شارك في المؤتمر التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي أنتج ما يعرف بميثاق روما عام 1998، وعندما تم تكوين لجنة لصياغة القانون الأساسي للمحكمة كان السودان عضواً بهذه اللجنة، وعندما تم الفراغ من صياغة ميثاق المحكمة وتبادلت الوفود الكلمات والتهاني، تم تكليف وفد السودان ليتحدث نيابة عن وفود الدول العربية. ثم وقّع السودان، ضمن الدول التي وقَّعت في احتفال كبير ومهيب.
تبقّت بعد ذلك خطوة واحدة هي التصديق، وهي الخطوة القانونية التالية للتوقيع على المواثيق الدولية.
في هذه الأثناء زار وفد من الجهاز التأسيسي للمحكمة السودان، وعقد عنها سمناراً بنقابة المحامين، بحضور النائب العام الذي أوصى الحكومة بالتصديق على انضمام السودان للمحكمة. لكن لحسابات داخلية وخوف من الالتزام، قررت حكومة الإنقاذ التراجع عن خطوة التوقيع نفسها، وأوقفت عملية التصديق. هذا يعني أنه وإن لم يكن هناك التزام قانوني دولي تجاه المحكمة، لكن بالضرورة هناك التزام سياسي وأخلاقي تجاه جسم ساهمت في إيجاده وفي صياغة نظامه الأساسي.
هذه مجرد خلفية، لكن لنمضي في الأمر أكثر. فهناك دعاوى الآن تطالب برفع ملف جرائم وانتهاكات الدعم السريع للمحكمة الجنائية الدولية، لكن ليس للمحكمة اختصاص في هذا الأمر، فاختصاصها محدود بالجرائم التي ارتكبت في دارفور في فترة زمنية معينة، بحسب قرار الإحالة المقدَّم إليها من مجلس الأمن.
وعليه، لو أرادت حكومة بورتسودان من المحكمة أن تبحث وتحقق في هذه الانتهاكات فعليها التوقيع على نظامها الأساسي والتصديق على الانضمام لتصبح للمحكمة ولاية على كل السودان. لكن طبعاً فإن تحقيقات المحكمة لن تختصَّ بجرائم الدعم السريع وحده، بل ستمتد للتحقيق في كل الجرائم، وأيَّاً كان مرتكبها.
ثم ستأتي المسألة الأهم، وهي أنه إذا ما انضم السودان للمحكمة الجنائية الدولية فسيكون هناك التزام على الحكومة الموجودة بتسليم كل المطلوبين للمحكمة.. فهل ستجرؤ الحكومة على ذلك؟
الانتقائية لن تفيد ولن تجدي.
ارتكبت خلال هذه الحرب جرائم يندي لها جبين الإنسانية وتهتز لها الضمائر السوية، ولن يستطيع قضاؤنا العاجز والمكبل أن ينظر فيها بعدالة وحسم، وبالتالي ليس من سبيل سوى القضاء الدولي فهو وحده الذي يمكنه الاقتصاص للمظلومين والضحايا.


