قمة الـ20 في جوهانسبرغ.. إعلان من أجل سلامٍ شامل أم محاولة لالتقاط أنفاس دبلوماسية؟
تقرير - رشا رمزي

اختتمت قمة مجموعة العشرين في جنوب أفريقيا أعمالها بإصدار إعلان مشترك دعا إلى تحقيق سلام عادل وشامل في السودان والأراضي الفلسطينية وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما أكد الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا أنّ اعتماد الإعلان يبعث رسالة بأن التعددية ما زالت قادرة على إخراج نتائج، وأن التعاون الدولي يبقى الطريق الوحيد لمواجهة الأزمات المعقدة التي تهدد الاستقرار العالمي. هذا الخطاب يحمل طابعاً رمزياً مهماً، لكنه يقف أمام امتحان حقيقي: قدرته على التحول من بيانات إلى أدوات ضغط فعّالة توقف النزاعات وتفتح ممرات إنسانية آمنة.
يبدو المشهد السوداني المثال الأبرز على هذا التحدي، فبينما تتزايد النداءات الدولية لوقف الحرب، تتواصل المحاولات الإقليمية للبحث عن مخرج سياسي. في هذا السياق، ناقش وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول آخر التطورات في السودان، حيث استعرض عبد العاطي الجهود المصرية داخل الآلية الرباعية لدعم التهدئة والوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار. وأكد في الوقت ذاته أهمية توحيد الجهود الإقليمية والدولية لتهيئة ظروف تسمح بعملية سياسية تعيد للسودان وحدته واستقراره. يعكس هذا التحرك إدراكاً مصرياً بأن استمرار الحرب يحمل تداعيات مباشرة على أمن المنطقة بالكامل.

ومع اتساع رقعة الصراع، تتضاعف الضغوط الدولية؛ إذ أصدر سيناتوران أميركيان بياناً مشتركاً أعربا فيه عن قلق بالغ تجاه ما وصفاه بـ«الفظائع الشديدة» التي تُرتكب ضد المدنيين في الفاشر وشمال كردفان. وطالبا الإمارات بإدانة هذه الانتهاكات والضغط من أجل وقف العنف، إلى جانب الإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية. هذا النوع من التصريحات يكشف تصاعد الاهتمام الدولي بالملف السوداني، لكنه أيضاً يؤكد الفجوة الكبيرة بين الإدانة وخطوات الردع الفعلية القادرة على تغيير ميزان القوة على الأرض.
وفي موازاة ذلك، تتخذ بعض دول الجوار خطوات تعكس قلقاً متنامياً من انتقال تداعيات الحرب إلى داخلها. فقد أصدر محافظ مدينة أبشي التشادية قراراً يقضي بمصادرة أي مركبة تحمل شعارات تمجد قوات الدعم السريع، في رسالة واضحة تهدف إلى منع تمدد نفوذ الميليشيات عبر الحدود. القرار يبدو بسيطاً في شكله، لكنه يعكس خشية حقيقية من أن تتحول أراضي تشاد إلى ساحة صدى للصراع السوداني بكل تعقيداته الأمنية والعرقية.

على المسرح الدولي، كان من المقرر عقد اجتماعات أوروبية في بروكسل وفرنسا لمناقشة ترتيبات وقف إطلاق النار، لكن تم تأجيلها وسط حديث عن استعداد وفد عسكري وحكومي سوداني للتوجه إلى العاصمتين لإجراء مشاورات موسعة. يعكس ذلك رغبة أوروبية في لعب دور أكبر في دعم عملية الانتقال السياسي، لكنه يكشف أيضاً درجة الارتباك الناتج عن تشابك المصالح وتعدد الوسطاء، في لحظة تحتاج إلى وضوح أكبر في الرؤية وخريطة طريق محددة.
أما في الداخل السوداني، فتتواصل المعارك على نحو يطرح علامات استفهام حول قدرة أي جهود سياسية على التقدم. مصطفى تمبور، رئيس حركة تحرير السودان المتحالفة مع الجيش، أعلن قرب انطلاق عملية عسكرية واسعة لاستعادة وسط دارفور من قوات الدعم السريع، مستخدماً خطاباً تعبويّاً يشي بأن دارفور مقبلة على فصل جديد من المواجهة. في المقابل، أعلن قائد الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين جاهزية قواته لـ«دك» معاقل الدعم السريع، في رسالة إضافية بأن الميدان لا يزال يتجه نحو التصعيد لا الانحسار.

وتواصل خطوط النار تمددها غرب الأبيض، حيث يشهد محور أب قعود وأم صميمة تصاعداً في العمليات العسكرية عقب هجمات مكثفة نفذها الجيش باستخدام المدفعية الثقيلة، بينما تحشد قوات الدعم السريع نحو بابنوسة وتتعرض لاستهداف متكرر بالطائرات المسيّرة. هذا المشهد يعكس سباقاً شرساً على السيطرة الميدانية، يجعل أي حديث عن هدنة شاملة معلقاً على قدرة الوسطاء على فرض التزامات لا يريد أحد الأطراف تحملها حالياً.
في خلاصة المشهد، يبدو أن إعلان قمة العشرين خطوة مهمة على مستوى إعادة توجيه البوصلة الدولية نحو أزمات تُهدد الأمن العالمي، لكنه وحده لا يكفي. فالأزمة السودانية تحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات: تحتاج إلى آليات تنفيذية واضحة، وضغط منسق على الأطراف الإقليمية المؤثرة، ومقاربة سياسية تُعيد للقوى المدنية موقعها الطبيعي في قيادة المستقبل. من دون ذلك سيظل بيان جوهانسبرغ إشارة دبلوماسية إيجابية، لكنه سيبقى عاجزاً عن وقف النزيف على أرض السودان، حيث تقف كل مدينة على حافة مصيرها.


