مقالات

فساد نظرية المؤامرة

فيصل محمد صالح

لدول العالم كثيراً من القضايا التي تشغلها، وبعضها أحداث في مناطق ذات أهمية إستراتيجية لها، مثل حرب روسيا وأوكرانيا لدول الغرب؛ أوروبا وأمريكا، لأنها حوب تدور في حديقتهم الخلفية، وبالتالي ليس لديهم الوقت والمساحة ليتجهوا نحو السودان ويتآمروا عليه.

نظرية المؤامرة قديمة قدم التاريخ، وتجدها منتشرة في روايات تاريخية لأحداث كثيرة في العالم. الميزة الأساسية لنظرية المؤامرة أنها بسيطة ومباشرة ومريحة للنفس ومسكِّنة لآلام الضمير.

لماذا يتقدم العالم ونتأخر نحن؟ الإجابة عند أهل نظرية المؤامرة سهلة وجاهزة: لأن العالم يتآمر علينا ولا يريد لنا التقدم، ثم لا بأس بإيراد بعض الآيات والأحاديث التي تفسَّر على هوى من يروِّجون لنظرية المؤامرة، ويلحق بذلك بعض اقتباسات من علماء ومفكرين، بعضهم لم نسمع به من قبل.

وأكثر من يستخدم نظرية المؤامرة هم الحكام، أفراداً، تنظيماتٍ وجماعات، ففيها تفسير مريح لفشلهم وعجزهم عن إدارة شؤون البلاد والعباد، من تقسيم البلاد وإشعال الحروب فيها، وتخلف البلاد وانتشار الفساد والرشوة، إلى انتشار الفقر والمرض، أو فشل المشاريع الصناعية والزراعية وتدهور أوضاع السكان…إلخ

كل هذا له رد جاهز.. المؤامرة الإمبريالية الأمريكية، الصهيونية، الشيوعية، الإرهابية، ويمكنك ضم كل المتناقضات. وقد سمعت أحد المدافعين عن الحكم الحالي وحكم الإنقاذ يقول إن هناك 34 دولة تتآمر على السودان، لأن هذه البلاد تسير على النهج الرباني الصريح.. وهكذا.

فساد النظرية واضح لمن يريد أن يمعن النظر. فنحن لسنا بهذه الأهمية، التي نتخيلها، لدى كثير من دول العالم، وبعضها لا يعلم حتى بوجود دولة اسمها السودان. الأمر الثاني أن لدول العالم كثيراً من القضايا التي تشغلها، وبعضها أحداث في مناطق ذات أهمية إستراتيجية لها، مثل حرب روسيا وأوكرانيا لدول الغرب؛ أوروبا وأمريكا، لأنها حوب تدور في حديقتهم الخلفية، وبالتالي ليس لديهم الوقت والمساحة ليتجهوا نحو السودان ويتآمروا عليه.

الأمر الثاني يتعلق بالمصلحة الذاتية الخاصة لتلك الدول، فما هي مصلحة كثير من هذه الدول أن تشعل حرباً في السودان، وهو ليس قريباً منها ولا ينافسها في شيء؟، ولا حتى في كرة القدم أو أيٍّ من صنوف الرياضات، وليست لديها معه حدود أو ارتباطات سياسية أو إستراتيجية أو اقتصادية.

واقع الأمر أننا نحن المسؤولون عن كل ما يجري لنا، التنازع الداخلي الذي يقود إلى الفتنة، الوصول للحكم على جماجم الناس، ثم الانفراد بالحكم، وممارسات التمييز الإثني والقبلي والجهوي، وغياب نظم العدالة الاجتماعية، وعدم القدرة على إدارة التنوع الهائل في مجتمعاتنا ومواردنا وثرواتنا. ثم إننا حين نستغرق في الحروب والنزاعات الداخلية نفتح الباب والنوافذ جميعها للتدخل الخارجي، وهو موجود طبعاً بجرعات مختلفة.

واجب كل المؤمنين والساعين نحو التحول المدني الديمقراطي أن يأخذوا بالأسباب الداخلية كسبب رئيسي لما نحن فيه الآن، وأن تتجه معالجاتهم نحو إعمال التفكير الخلاق، وتقديم المبادرات ومقترحات الحلول. عندها يمكن سد الباب أمام التدخل الخارجي الذي يأتي إلينا كأثر لاحق، وليس كسبب رئيسي لما نحن فيه الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع