
تتسارع وتيرة التحولات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي على نحو يعكس لحظة سياسية شديدة الحساسية، إذ كشف مصدر مطّلع عن تلقي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، دعوة رسمية من القيادة السعودية لزيارة الرياض. الدعوة جاءت بعد ساعات قليلة من وصول الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى المملكة في زيارة تستمر أربعة أيام، ما يوحي بأن الرياض تتحرك وفق مسار دبلوماسي مدروس لإعادة ترتيب موازين المنطقة.
هذا التحرك السعودي يجري، بحسب المعلومات المتوفرة، في إطار تنسيق واسع مع واشنطن والقاهرة بهدف لجم تمدد النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر، الممر البحري الذي يُعد واحداً من أعمدة الاقتصاد العالمي. وتشير المصادر إلى أن السودان يستعد للعودة إلى اتفاقية استغلال ثروات البحر الأحمر الموقعة عام 1974 مع السعودية؛ وهي اتفاقية تتجاوز مكاسبها الاقتصادية حاجز 5 تريليونات دولار وفق تقديرات أولية، وتشمل ثروات بحرية ضخمة ظلت حبيسة الأدراج لعقود، قبل أن تعود اليوم باعتبارها ورقة نفوذ حاسمة في لحظة سياسية يعاد فيها تشكيل مستقبل المنطقة.
في قراءة للمشهد، يوضح الخبير السياسي مكاوي الملك أن ما يجري يتجاوز التحركات البروتوكولية نحو «مشهد صراع نفوذ» يشبه حرباً باردة جديدة بين محور تقوده السعودية ومصر والسودان وإريتريا، مقابل محور إماراتي–إثيوبي يمتد من باب المندب حتى شرق السودان ومن عصب إلى بربرة. الملك يرى أن المسألة ليست خلافات حدود أو توتراً موسمياً، بل «هجوم منسق على التوازن الإقليمي» ومحاولة تأسيس فراغ سياسي وأمني على طريقة اليمن والسودان، لكن على نطاق أوسع في قلب القرن الأفريقي. ويشير إلى أن المشروع الإماراتي–الإثيوبي المدعوم خارجياً يتضمن شحنات عسكرية، دعم ميليشيات، وإنشاء قواعد، وصولاً إلى مخطط السيطرة على البحر الأحمر، بينما تقف إثيوبيا على حافة حرب جديدة وفق تقرير لمجلة The Economist، فيما يعتبر آبي أحمد الوصول إلى البحر «مسألة وجودية».
ضمن هذا السياق، تبدو زيارة أفورقي إلى الرياض نقطة تحول في مقاربة السعودية للقرن الأفريقي. فالرياض، وفق تحليل الملك، تدرك أن وقوع ميناء عصب تحت سيطرة إثيوبيا، بدعم إماراتي، يعني تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر. ومصر، من جهتها، دخلت على خط التحالف عبر اتفاقيات دفاع مشترك مع أسمرا، هدفها سد أي ممر يمكن استخدامه ضد إريتريا والسودان في مواجهة تحرك عسكري إثيوبي محتمل.
أما الولايات المتحدة، التي تراقب المشهد من زاوية مختلفة، فقد أعلنت عبر وزارة الخارجية سلسلة تدابير لاحتواء تداعيات الحرب السودانية على الأمن الإقليمي. البيان الأميركي شدد على ضرورة هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر يتبعها وقف دائم لإطلاق النار، ثم مسار انتقالي يقود إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة. واشنطن دعت الأطراف الخارجية إلى وقف التمويل والدعم العسكري لأي طرف سوداني، مؤكدة أن تصريحات الرئيس ترامب في 19 نوفمبر حول «فظائع السودان» ستتبعها خطوات عملية لمنع تحول البلاد إلى ملاذ يهدد المصالح الأميركية.
هذه الخطوات تجسدت سريعاً في إعلان عقوبات على أربعة أفراد وأربعة كيانات ضمن شبكة عابرة للحدود تضم شركات ومواطنين كولومبيين، تورطوا في تجنيد عسكريين سابقين للقتال مع قوات الدعم السريع، بما في ذلك تدريب أطفال ومقاتلين محترفين. الخارجية الأميركية وصفت الدعم الخارجي لهذه المجموعات بأنه «مصدر مهم للعنف» ساهم في الهجمات الواسعة على المدنيين، خاصة بعد سيطرة قوات الدعم السريع – بدعم كولومبي – على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر عقب حصار دام 18 شهراً. السيطرة أعقبها، بحسب واشنطن، ارتكاب مجازر جماعية وعنف جنسي على أساس عرقي، ما وضع السودان ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي موازاة الحراك الإقليمي والدولي، شهدت منطقة هجليج النفطية تطوراً لافتاً بعد إعلان رئيس هيئة أركان جيش جنوب السودان، الفريق أول بول نانق، أن قوات بلاده دخلت المنطقة بناءً على اتفاق ثلاثي بين سلفاكير ميارديت والبرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي). الاتفاق قضى بانسحاب الجيش السوداني بالتزامن مع خروج قوات الدعم السريع لتفادي أي مواجهة حول منشآت نفطية حيوية، تشكل ركيزة اقتصادية للسودان وجنوب السودان على حد سواء. نانق أوضح أن وجود قوات جنوب السودان يأتي لضمان استقرار الإمدادات ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة قتال جديدة.




