تقارير

الملاريا تفتك بالسودانيين وتسجل معدلات غير مسبوقة

مشاوير - وكالات 

يخوض السودانيون حرباً أخرى أكثر فتكاً على وقع المعارك والقتال المحتدم منذ ما يقارب الثلاثة أعوام، وهي حمى الملاريا التي تشهد تصاعداً مرعباً في حالات الإصابة في ولايات البلاد، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، بعد أن تحولت إلى أكبر خطر على حياة السودانيين، في وقت تعجز البنية التحتية الصحية المتهالكة عن التعامل مع الموجة المتسارعة من الأوبئة وإصابات الملاريا التي باتت تشكل تهديداً وبائياً واسعاً.

تهديد واسع

وأكد وزير الصحة الاتحادي السوداني هيثم محمد إبراهيم أن الملاريا باتت تشكل تهديداً وبائياً واسع النطاق يضرب شريحة واسعة من السكان، مشيراً إلى أن البلاد تسجل أكثر من 3 ملايين إصابة سنوياً بالملاريا وبمعدل وفيات مرتفع، فضلاً عن مفاقمة الحرب الوضع الصحي في البلاد مما زاد انتشار المرض وتحديات مكافحته، بسبب تدمير البنية التحتية الصحية وموجات النزوح.

وبحسب إبراهيم فقد سجل السودان أعلى معدلات انتشار للملاريا في إقليم شرق المتوسط بأكثر من 3 ملايين إصابة سنوياً مع معدلات وفيات مرتفعة، حيث يشكل نحو 46 في المئة من إجمال حالات الملاريا في المنطقة.

وتُشير “منظمة الصحة العالمية” إلى أن السودان يتحمل عبء الملاريا الأكبر في المنطقة مع نقص التدخلات الصحية الأساس للحد من انتشار المرض، بسبب نقص الإجراءات الوقائية وتراجع حملات التحصين وصعوبة الوصول إلى المرافق الطبية بسبب النزاع المسلح الدائر.

مرضى سودانيون

انتشار كبير

ووفق الإحصاءات الرسمية فقد أصبحت الملاريا منتشرة بصورة كبيرة في ولايات البلاد كافة، وهي المسبب الأول للوفيات والتردد إلى المستشفيات والمراكز الصحية المختلفة، إذ يموت بسببها سودانيان تقريباً كل يوم معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل، بينما تجاوز عدد الإصابات 3 ملايين إصابة كل عام، في وقت أنهكت الحرب المراكز الصحية العلاجية وعطلت 90 في المئة من قدراتها.

عتبة الوباء

وخلال مناقشة مركز عمليات الطوارئ الاتحادي بوزارة الصحة المركزية أوضاع النازحين وتحديات الخدمات الأساس، كشفت تقارير رسمية عن ارتفاع في حالات الإصابة بالملاريا تجاوزت فيها معظم الولايات عتبة الوباء، في ظل استمرار تدفقات النازحين من إقليمي كردفان ودارفور، وكذلك كشفت تقارير صحية طرحت في آخر اجتماعات اللجنة العليا لتهيئة البيئة العامة لعودة المواطنين لولاية الخرطوم عن انخفاض الإصابة يحمى الضنك، لكن في المقابل لوحظ أن هناك ارتفاعاً ملاحظاً في حالات الإصابة بالملاريا داخل الولاية.

مرضى سودانيون

اكتظاظ المستشفيات

وفي السياق يشير الطبيب المتخصص في أمراض المناطق الحارة أحمد نورالدين إلى وجود تحديات عدة ترتبط بعلاج الملاريا، وتعتبر محدودية الإمكانات وضيق المراكز العلاجية من أكبر المشكلات التي تفاقم الوضع، فمع توسع دائرة التفشي وتزايد أعداد الإصابات تواجه المستشفيات العاملة ضغوطاً كبيرة نتيجة الاكتظاظ بالمصابين، بينما تعجز المراكز والوحدات الصحية الأخرى محدودة السعة داخل الأحياء عن مواكبة الإصابات، أما على صعيد المكافحة الوقائية فالناموسيات المشبعة وغير المشبعة غير كافية لحماية الأطفال وغيرهم من الشرائح الضعيفة المستهدفة.

من جهة أخرى، وبحسب نورالدين، فليست هناك مشكلة في وفرة علاجات وأدوية الملاريا من محاليل وريدية وغيرها من بروتكولات علاجية، لكن هناك ارتفاعاً كبيراً ومتصاعداً في أسعارها مع توسيع الحرب دائرة وحدة الفقر وسط المواطنين الذين لم يعد بمقدورهم تحمل كلفة العلاج.

الملاريا الخبيثة

ويشير الطبيب المناطق الحارة إلى انتشار نوعين من الملاريا في السودان: الحبشية والمنجلية، وتعتبر الأولى الأكثر تفشياً، أما الفرق بينهما فيكمن في نوع الطفيل وطبيعة العدوى، فالأولى تتسبب في نوبات من الحمى المتكررة والمتقطعة مع ألم المفاصل والغثيان والصداع، أما الثانية فهي الأكثر خطراً وتعرف أيضاً بالملاريا المدارية وتعرف محلياً بـ “الخبيثة”، وتتسم بمضاعفات أكبر وأعراض أكثر حدة كونها تصيب كريات الدم الحمراء وتتكاثر داخلها بسرعة، وربما تتسبب في انسداد الأوعية الدموية الدقيقة، فضلاً عن أن طفيلها يبقى كامناً داخل الكبد لفترات طويلة.

مرضى سودانيون

مرض جماعي

ويتابع المتحدث ذاته بأن “الملاريا باتت مرضاً شبه جماعي، فهي عندما تصيب أحد أفراد العائلة تنتقل عدواها بسرعة وسط أفراد الأسرة الآخرين الذين يتشاركون الغرفة نفسها والبيت ذاته، وبالتالي تصبح كلفة العلاج لأفراد الأسرة مضاعفة”.

وبحسب نور الدين فغالباً ما تتراوح كلفة علاج الفرد الواحد ما بين 100 و 200 ألف جنيه سوداني للفرد الواحد (38 دولاراً أميركياً بسعر السوق الموازي)، وهو مبلغ كبير يفوق طاقة كثير من الأسر السودانية التي استهلكت الحرب معظم مدخراتها ودمرت مصادرها.

الإجراءات الوقائية

ويرى نورالدين أنه وعلى رغم بوادر تعافي القطاع الصحي في السودان لكن تظل الملاريا أحد أكبر المهددات للصحة العامة وأكثرها فتكاً بالمواطنين، وبخاصة شرائح الأطفال النساء الحوامل وكبار السن، مما يستدعي تركيز الجهود خلال المرحلة الراهنة على مكافحة النواقل والإجراءات التحوطية والوقائية الأخرى، والمضي بحملات تطعيم الأطفال التي انطلقت بصورة تدرجية في بعض الولايات الأكثر تأثراً.

هاجس مؤرق

ويكشف المتخصص في الوبائيات وخبير المنظمات الدولية بابكر المقبول عن أن الملاريا من الأمراض المستوطنة التي تتسبب بمشكلة صحية كبيرة في السودان وتشكّل هاجساً مؤرقاً للسلطات عامة ووزارة الصحة بخاصة، والتصدي للمرض مكلف مادياً ويشمل مراحل عدة تبدأ بمكافحة الناقل وسط المجتمعات وداخل المساكن وحتى التعامل مع الحالات العلاجية في المستشفيات، ولذلك ظلت الدولة تصرف كثيراً من الأموال سعياً للوصول إلى مستوى من السيطرة لتقليل الوفيات والإصابات والمضاعفات الأخرى.

مرضى سودانيون

هل يجدي التطعيم؟

وفي سياق محاولات البحث عن حلول لأزمة الملاريا المستفحلة نجحت وزارة الصحة خلال الفترة الأخيرة في إدخال تطعيم ضد الملاريا للأطفال، يشمل أربع جرعات تستهدف الأطفال بعمر ما دون السنة.

ويتابع “على رغم أن التطعيم لا يمنع الإصابة بالملاريا بالكامل لكنه يقلل الإصابات بصورة كبيرة، فضلاً عن تقليل الوفيات والحالات الحرجة والدخول إلى المستشفيات، وهي درجة ممتازة بالنسبة إلى شريحة لأطفال الأكثر إصابة بالمرض والأعلى في معدل الوفيات”.

إستراتيجية واشتراطات

ووفق المقبول فإن التطعيم يعتبر إستراتيجية تعمل في نطاق جزئي وسط عدد قليل من أفراد المجتمع، تشترط الالتزام بإستراتيجيات المكافحة الأخرى وبخاصة استخدام الناموسيات المشعبة طوال العام، فمن غير المجدي التخلي عن الناموسية بحجة تلقي جرعات التطعيم لأنه استراتيجية مكملة للبقية المتمثلة في مكافحة النواقل والناموسيات والمعالجة المكاملة للمرض.

ويشير المتخصص في الوبائيات إلى أن مشروع تطعيم الأطفال طويل لكنه مردوده سيكون إيجابياً على مدى أعوام مقبلة، بخاصة بعد أن أثبتت تجارب في دول أفريقية عدة مشابهة لظروف السودان نتائج إيجابية نشرتها وزارات الصحة في تلك الدول، وهو ما شجع السودان على طلب اللقاح ووجد طلبه استجابة من “منظمة الصحة العالمية”، وكذلك قدم “صندوق الدعم العالمي” مساعدات للسودان في هذا الخصوص مكنته من بدء مشروع التطعيم.

وأعرب المقبول عن أمله في أن تحقق هذه التجربة نجاحاً في السودان أيضاً.

مشدداً على ضرورة الالتزام بمواقيت جرعات التطعيم الأربع في وقتها المحدد الممتد طوال العام، وهو ما يتطلب الارتباط الوثيق بين الأسر والمراكز الصحية التي تقدم الخدمة حتى تعم الفائدة، لأن أي نقص في عدد الجرعات ربما يؤثر في فعالية التطعيم.

مرضى سودانيون

تحذير عالمي

وحذّر تقرير مشترك بين “منظمة الصحة العالمية” وعدد من المنظمات الدولية في مجال العمل الإنساني والصحي من أن البلاد تواجه واحدة من أخطر الأزمات الصحية حول العالم، في ظل انهيار شبه كامل للنظام الصحي وتفش واسع للأوبئة وتدهور غير مسبوق في مؤشرات الأمن الغذائي وسوء التغذية، ولا سيما بين الأطفال والنساء.

ووفق البيان فإن السودان يشهد تفشياً متزامناً لأمراض وبائية عدة أبرزها الملاريا والكوليرا وحمى الضنك، إضافة إلى عودة أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات مثل الحصبة وشلل الأطفال، نتيجة الانخفاض الحاد في معدلات التطعيم التي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود.

وأشارت المنظمات إلى أن البيئة المناخية والنزوح الواسع وتكدس السكان في مناطق محدودة أسهمت جميعها في تسريع انتشار الأوبئة، لافتة إلى أن السودان يسجل أعلى نسبة وفيات عالمية مرتبطة باستهداف القطاع الصحي، ولم تقتصر على تدمير البنية التحتية بل امتدت إلى قتل العاملين الصحيين والمرضى وذويهم، مما فاقم عزوف الكوادر الطبية عن العمل وقلّص فرص الوصول إلى العلاج.

دعم مهدد

وحذرت المنظمات من أن دعمها للقطاع الصحي بتوفير الأدوية الأساس والإمدادات الجراحية ووقود تشغيل المرافق الصحية الثابتة والمتنقلة مهدد بالتراجع، في ظل النقص الحاد في التمويل الذي لم تعد نسبته تتجاوز 36 في المئة من المطلوب، وهو ما يضع ملايين الأرواح في دائرة الخطر.

وجه البيان كنداء عاجل إلى المجتمع الدولي بضرورة إبقاء السودان ضمن أولويات الأجندة الإنسانية العالمية، وتوفير تمويل مستدام وضمان وصول إنساني آمن من دون عوائق مع حماية العاملين الصحيين، مؤكداً أن السلام يظل الشرط الأساس لأي تعاف صحي حقيقي أو إعادة بناء للنظام الصحي المنهار.

وقدرت تقارير رسمية لمنظمات صحية دولية تسجيل السودان أكثر من 3.4 مليون إصابة بمرض الملاريا وأكثر من 8 آلاف وفاة ما بين عامي 2024 و 2025، مع الإشارة إلى أن الأرقام قد تكون أقل من الواقع الحقيقي بسبب ضعف النظام الصحي وجمع بيانات التقارير في مناطق النزاع، مما يؤدي إلى تقديرات غير مكتملة.

يذكر أن الخسائر التي لحقت بالقطاع الصحي بسبب الحرب تقدر بنحو 11 مليار دولار في المعدات والأجهزة الطبية والإمداد الدوائي والتخريب والنهب وغيرها، مع توقف ثلث مستشفيات السودان البالغ 700 مستشفى عن تقديم الخدمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى