استمرار الحرب سيقود لتشظي السودان لدويلات أمراء حرب لا محالة، كل نذر التفتيت والتشظي هذه واضحة للعيان في المشهد الحالي، ولن يفيد معها دفن الرؤوس في الرمال.
السودان ليس نسيج وحده، فمسببات التفكك وعدم الاستقرار فيه تشابه لحد كبير تجارب عديدة في محيطه الإقليمي الإفريقي والعربي، فهذه الدول التي رسمت حدودها بواسطة الاستعمار واجهت مجتمعاتها معضلة الاندماج الوطني ضمن إطار الدولة الحديثة بعد استقلالها، وكان نمو وبروز الحركات المتطرفة داخلها هو أحد أكبر العوائق أمام انجاز هذه المهمة، فما من دولة تعاظم فيها نفوذ الحركات الاسلاموية المتطرفة إلا وكان مصيرها هو الحروب الأهلية، وتفكك النسيج الاجتماعي الداخلي، والاستقطاب الإقليمي والدولي الحاد من حولها، وفي كل هذه التجارب كانت النتيجة واحدة، وهي خطأ استراتيجية “الرقص مع الشيطان”، فبدون إضعاف قوى التطرف وتجريدها من أدوات الإرهاب التي تستخدمها، فالتشظي والتقسيم وتهديد الأمن الإقليمي هو النتيجة الحتمية.
لذا فإن المعركة الرئيسية هي بين قوى التطرف وقوى الاعتدال، وبدون سيادة منطق الانفتاح والاعتدال سيظل الاضطراب وعدم الاستقرار هو من يحتل المشهد.
السودان اليوم امام مفترق طرق وخيارات لا تحتمل التردد بينها. لتفادي تشطي وتقسيم البلاد وزوال الدولة وتحلل مؤسساتها، يجب التوافق على عقد اجتماعي جديد يستوعب تعدد البلاد وتنوعها، ويطرد أوهام امكانية فرض أي رؤى أحادية عبر فوهة البندقية، ويضع أسساً راسخة لفيدرالية حقيقية وتداول سلمي للسلطة وإقرار للعدالة والإنصاف، وهو ما يتطلب اطاراً مدنياً ديمقراطياً، وليس إعادة تدوير تجارب حكم العسكر والإسلامويين التي سامت شعب السودان سوء العذاب ولم يحصد منها سوى الندامة.