
لا يزال جمهور كرة القدم يتندر على قصة العراف المالي الذي وعد جمهور منتخب الدولة الواقعة في غرب قارة أفريقيا، بالفوز ببطولة الأمم الأفريقية في نسختها الـ35 التي أقيمت في المغرب، ثم ألقي القبض عليه بتهمة النصب بعدما تلقى أكثر من 30 ألف يورو (نحو 35 ألف دولار) كتبرعات بحجة احتياجه لها في طقوسه التي ستجلب الفوز للفريق، الذي خرج من دور الثمانية.
الإيمان الكبير بالقدرات الروحية التي زعم العراف امتلاكها، ربما تأتي من تاريخ طويل ارتبطت فيه بطولات كرة القدم اللعبة الأكثر جماهيرية بالعرافين والمتنبئين لدرجة أن البعض أصبح يتعامل يقيناً مع هذه الأمور، وإن كان عراف مالي متنبئاً بشرياً حتى لو كان مزيفاً، فتاريخ اللعبة حافل بكائنات من عالم الحيوان اكتسبت شهرة في مجال التخمين، بينها زواحف وقطط ومخلوقات بحرية ودببة وأفيال.
الأمر بصورة عامة يبدو طريفاً ومسلياً ومحيراً أيضاً، إذ إن بعض هذه الكائنات لم يخطئ ولا مرة في توقع الفرق الفائزة، ولكن في ما يتعلق بالقصة الأخيرة فإن الأمر تطور إلى جريمة ممنهجة واحتيال مالي، بالاعتماد أولاً على الرصيد الكبير الذي يجعل جماهير الكرة مهيئين تماماً لهذا النوع من السلوكيات، فحتى على مستوى البطولة الكروية الأهم (كأس العالم) اعتادت الجماهير أن تتابع بشغف وثقة تنبؤات الحيوانات التي تصبح بدورها نجوماً تجذب الأنظار، وينتظر الجميع اختياراتها التي تكون في أوقات كثيرة بمثابة حسم استباقي لما سيجري في الملعب، ولكن القطاع الأكبر من الجماهير وبناء على مواقف متكررة كذلك، يرى أن الأمر مجرد عبث يصيب الهدف بالمصادفة، ومع ذلك لا تتوقف الدهشة ولا المتابعة، إذ باتت هذه الطقوس واحدة من الظواهر الأكثر شعبية المصاحبة للبطولات الكبرى في عالم كرة القدم على وجه التحديد، وإن انتقلت لألعاب أخرى.

تنبؤات الصدفة
قد تكون بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة التي يتابع الجمهور مبارياتها هذه الأيام في المغرب، من أكثر البطولات التي انكشفت فيها مزاعم ما يسمى التنبؤ الذي لا يستند إلى أي دلائل، بعدما انتهت أسطورة القط “نيموس” الذي توقع فوز منتخب كوت ديفوار على منتخب مصر في مباراة دور الثمانية، وهي النتيجة التي بدا البعض وكأنه يعتمدها كأمر واقع ويتعامل على أساسها، لتأتي النتائج على الأرض مختلفة تماماً، إذ أقصى الفريق المصري منتخب ساحل العاج من البطولة بثلاثة أهداف مقابل هدفين، هذا بخلاف أزمة العراف المحتال الذي قبضت عليه الشرطة المالية، ومع ذلك لا تزال تلك الفكرة تحظى بالاهتمام، وينظر إليها على أنها باتت من كلاسيكيات تلك اللعبة، وبخاصة أن تاريخ التنبؤ في عالم الحيوانات بنتائج المباريات يبدو حافلاً بالمفاجآت، بل إنه يبدو مقدراً تماماً، شعبياً ورسمياً، في بعض المؤسسات.
فعلى سبيل المثال، أقامت ألمانيا متحفاً لسرد تاريخ الأخطبوط الشهير “بول” في مدينة أوبرهاوزن، ويتضمن المتحف معلومات عن تدرج سطوع نجم “بول” في عالم التنبؤ، إذ كان يتم وضعه في حوض مائي ليميل ناحية علم دولة واحدة من العلمين الموضوعين أمامه، وقد عرف “بول” بمسيرته المذهلة، إذ صدقت جميع تنبؤاته في مونديال 2010 الذي أقيم بجنوب أفريقيا، بما فيها نتيجة مباراة النهائي التي حصدت فيها إسبانيا اللقب على حساب هولندا، وبعد عام ونصف العام تقريباً من هذا الزخم فارق “بول” الحياة، فقام متحف الأحياء المائية بتمويل بناء تمثال طوله متران عبارة عن أخطبوط يحتضن كرة تيمناً بـ”بول”، حيث يمكن للزائر أيضاً متابعة قصاصات الصحف التي اهتمت بتنبؤاته، إضافة إلى متجر لبيع الهدايا التذكارية التي تحمل صور الأخطبوط الذي لقب بمعجزة المونديال.
وكانت شهرة “بول” الذي كانت تذاع تنبؤاته على الهواء مباشرة وتحظى صفحاته عبر الـ”سوشيال ميديا” بملايين المتابعين النشطين، قد جعلت المسؤولين يدربون أخطبوطاً بديلاً كوريث له هو “بول” الثاني، ولكنه لم يحظ بالشهرة نفسها.
من يحسم الفائز؟
أيضاً عرفت السلحفاة “كابيساو”، التي صاب عدد من توقعاتها في مونديال البرازيل 2014، بعض الشهرة والاهتمام، ومع ذلك ظل “بول” هو الأكثر نجومية، ومن عالم الأحياء البحرية كذلك جاءت السمكة “بيليه”، ولكنها لم تحظ بالشعبية التي كانت من نصيب أخطبوط كأس العالم 2010.
تبدو معايير اختيار الحيوانات التي تنشط في هذا النمط من التنبؤات إن جاز هذا التعبير، غير معروفة في أوقات كثيرة، إذ إن المصادفة عادة هي التي تقود أحدها لهذا السلوك، ولكن على ما يبدو أن هناك مؤشرات ومهارات تتعلق بالحركة وبفهم الإشارات وبالاستجابة للتدريبات تتمتع بها هذه الحيوانات، فعلى سبيل المثال قال الأطباء البيطريون في متحف “هيرميتاج” بمدينة سان بطرسبرغ الروسية، أن سبب اختيار القط الأصم “أخيل” للتنبؤ بنتائج مباريات كأس العالم في روسيا 2018 يعود إلى نشاطه الكبير وذكائه، إذ كان يوضع أمامه وعاءا طعام يتزينان بعلمي الدولتين المتنافستين في كل مباراة، فيختار أيهما لتناول طعامه، وبهذا تنتهي عملية التخمين.

وقد حفلت هذه النسخة من المونديال بكثير من العرافين غير التقليديين، إذ تمت الاستعانة بأحد الروبوتات وهو “باكستر”، الذي قادته المصادفة إلى توقع صائب، ولكنه فشل أكثر من مرة فتم إسقاطه من الحسابات، وعلى ما يبدو فشلت تجربة الاستعانة بالأنظمة الآلية في هذه التسلية التي يتابعها عشرات الملايين، وشهدت النسخة أيضاً اختيار دب قطبي شغوف باللهو بالكرات للتنبؤ ببعض المباريات، وقد صادفت توقعاته النجاح.
من الرياضة إلى السياسة
ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتم فيها الاستعانة بالدببة، إذ كانت هناك تجربة طموحة لمشاركة دب الباندا “ينج مي” في نسخة المونديال التي أقيمت في البرازيل، وذلك بعدما صابت بعض توقعاته في المباريات الأولية، ولكن الأطباء البيطريين وجدوا أن ضغوط التصوير والظهور المتكرر قد يؤثران سلباً في الباندا، الحيوان الذي كان مهدداً بالانقراض، وكان يعيش حينها بمحميّة طبيعية في الصين، فحرم الجمهور من متابعة لعبة مشوقة جديدة من ألعاب الحيوانات في عالم كرة القدم.
وعلى ما يبدو فإن طريقة أطباق الطعام هي المفضلة للحيوانات الصغيرة، حيث كانت الوسيلة التي يعتمدها القط “نيموس” الذي أصابت بعض تخميناته في مباريات بطولة كأس الأمم الأفريقية الحالية وخاب بعضها، في حين أن هناك أيضاً حيوانات أقل شهرة ظهرت في بطولات كثيرة بينها كأس العالم ومباريات اليورو مثل الكلاب والبطاريق والجمال والفيلة التي كانت تختار أن تشير بخرطومها إلى كرة تحمل رمز الدولة، كذلك استخدمت الخنازير والكلاب في عملية التنبؤ التي تشتعل بالتزامن مع البطولات الكروية الكبرى، وحتى بعض بطولات التنس.
وعلى رغم سلسلة الإخفاقات لا يزال هوس متابعة تلك التخمينات مستمراً ويحظى بتفاعل كبير عبر منصات الـ”سوشيال ميديا”، فظاهرة الاستعانة بالحيوانات لتخمين نتائج المباريات اكتسبت شعبية كبيرة منذ نحو 15 عاماً ولا تزال تحظى باهتمام جماهيري من باب الطرافة أو حتى التصديق، حيث تبدو آمالهم معلقة بهذه الاختيارات وليس بأقدام اللاعبين، ففي حين أن النتائج يحسمها الأداء في الملعب وتسديد الأهداف، قد تأتي المتابعة الحثيثة من باب الفكاهة، سيما أن الأمر يبتعد كلياً عن عالم المراهنات الجاد الذي يجتاح مجموعات محبي كرة القدم، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة لما يتضمنه من احتمالية خسارة المشاركين في الرهانات.
اللافت أن هذا الولع انتقل حتى لبعض الأحداث السياسية سواء في الانتخابات أو الاستفتاءات، فحمى استعمال الحيوانات في التنبؤ طاولت قطاعات لم تكن في الحسبان أبداً، إذ تشير التقارير إلى أن الخنزير “ميستيك ماركوس” تنبأ بفوز دونالد ترمب في ولايته الرئاسية الأولى، وكذلك بنتائج التصويت التي أقرت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل ستة أعوام.



