
لم تكن منال مجرد معدّة برامج، بل كانت “جوهرتي” التي ادَّخرتُها للأيام وللزمن ..
وحين جاءت لحظة التأسيس لبرنامج “BN FM” بقناة النيل الأزرق عام 2011، ذلك الفضاء الذي مزج بين الصورة والصوت، كأول تجربة لهذا النوع من البرامج، كان الجمهورُ يلتقي وجهاً لوجه مع هذه الكوكبة من المبدعين الذين تولوا مهمة التقديم، ينهلون من جمالِ أدائهم الذي صاغت منال الكثير من مفرداته خلف الكواليس.
لم أجد غيرها ليقود معي سفينة “راديو المدينة” وحين أخبرتها بحاجتي لأن تنضم إلينا في ذلك الفريق، وأن تشاركني مرحلة ما بعد الفكرة والتنفيذ.
سألتني يومها بسؤال الأوفياء : “إنت حا تكون موجود؟”، يقيناً منها وإيماناً بأننا نستطيع معاً أن نقوم بأصعب المهام مهما جلّ قدرها، فقد عملنا معاً من قبل وخبرنا بعضنا، فلما أجبتها بالإيجاب، مضت تضع معي اللّبِنات والهياكل والتوقيتات، فكان جهداً استنسختهُ المؤسسات الإعلامية لاحقاً دون إكتراثٍ بالأحقية ولا الجدة والسبق، ولكنها لم تستنسخ روح ذلك البرنامج الذي كانت تذوب وجداِ وإخلاصاً فيه وصويحباتها المبدعات عرفة الأمين و تهاني النور وكثير من الزميلات اللائي تعاقبن في تيم البرنامج مع رفقة مهنية طيبة من الزملاء العاملين في البرنامج الزاهر على رأسهم الزميل المجتهد ناجي الهادي وأخي الصحفي الهمام أمير أحمد السيد الذي ظل يذكرني بضرورة أن أُعمل قلمي في التذكير بتلك الأدوار المشهودة للعديد من الزملاء الذين غيّب أدوارهم تعتيم متعمد وشيء من تواطؤ لأقلام صحفية بفمها ماء، ترى بعين غير عينها، وتتعمد إظهار بعض من يظهرون أمام الكاميرا دون غيرهم من الذين يحترقون من خلف الكواليس.
هناك، وتحت أضواء “الراديو المرئي”، كان هؤلاء الأفذاذُ يشنفون الآذان ويملأون الوجدان بكلماتٍ من كلمات منال الرصينة، بينما كانت هي تطلُّ أحياناً من على البعد، بهدوئها المعهود وبساطتها الآسرة، ترقبُ ثمارَ غرسها في وجوهِ الناس، وتكتفي بأنها صنعت جسراً من المحبةِ والود والفكر، دون أن تطلبَ لنفسها مكاناً و حيزاً في كادرِ الصورة غير مكانها الذي تتطلبه المهنية، كانت تقف خلف الحناجر المتدفقة قولاً وجمالاً.
ومن بين تلك الأصوات صوت الراحل المقيم الأخ الصديق محمد محمود (حسكا) والذي رحل عنّا تاركاً خلفه سيرةً مهنيةً ومحبةً في قلوب جمهوره الذي كان لبرنامج ال (BN FM) دوراً بارزاً في تألقه وتميزه بتلقائيته المعهودة وبلطفه وسماحته في التجاوب مع المشاهدين المتواصلين مع البرنامج، سائلاً الله تعالى له ولمنال الرحمة والمغفرة والقبول الحسن، فقد شكلوا مع بقية الفريق روحاً رفيعةً من المهنية والمحبة والسماحة ، فكان أن تشكلت نكهات مختلفة بأصواتٍ وأمزجةٍ مختلفة فتنوع الأداء متنقلاً بين إحساس مفعم بالروعة لعفاف حسن أمين وتلقائية الراحل محمد محمود، ورزانة سوركتي عبدالعزيز، وهدوء محمد عثمان الشيخ وطلاوة تسابيح مبارك خاطر، ولطافة نادين علاء الدين ورقة نجود حبيب، وثبات شيبة الحمد عبدالرحمن، و وضوح أسماء النعيم و روح مودة حسن و رفق ليزا شاكر ، ونبرة إسراء عادل، و اداء هايلين هاشم، و سلامة آسيا عطا الله، وأعتذرُ بملءِ الوفاء والرفق كذلك لمن خانتني الذاكرةُ عن ذكرهم في هذه الساعةِ التي أخذتني تجاه كل من لهم علاقة بعمل الراحلة منال فالفاجعةُ قد زلزلت الأركان وغّيبت وضوح الرؤية.
بعد مُضي فترة من إنجاز البرنامج ظلت الراحلة مداومة على المتابعة اليومية دون كلل، وحتى بعد مغادرتي لقناة النيل الأزرق ظلت على العهد بها مخلصةً متفانية.
ولكن، للأقدارِ قسوتها، وإن كتاب التاريخ مليءٌ بالتناقضات التي تختبر الشرفاء وتمتحن صبرهم و تمحِّص الحُشاشة والداخل وتضع الإنسان أمام قدرته الكبرى على التجاوز وعلى المضي إلى ما هُدِي إليه.فيا لقسوة القدر حين يُجالد الظلم سيدة من سادات الرِفق وكرم الأخلاق.
فكيف ينسى الوجدان ذلك الصباح المطير، حين وقفت (نخلة الصبر منال) تحت انهمار المطر لا تجد وسيلةً تقلُّها لنداء الواجب، ولمتابعة ما يخطه قلمها كما تفعل في كل يومٍ وليلة.




