
أنعشت الحرب وما أفرزته من تداعيات تحديات متزايدة تنتظر السودان، إذ دفع حال الفوضى والسيولة الأمنية التي رافقتها إلى تفش واسع لظاهرة التهريب والاتجار بالبشر، إذ تنشط في النقاط الحدودية عبر شبكات منظمة بصورة تشكل مهدداً أمنياً كبيراً ينذر بتوسيع الظاهرة.
في ظل انشغال البلاد بالحرب والمعارك الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من 33 شهراً تعجز السلطات عن إحكام الرقابة الصارمة على الحدود الطويلة والمنافذ المتعددة، مما جعل العصابات تستفيد من الأوضاع الحالية لإدارة هذه الأنشطة، على رغم الضبطيات الكبيرة على أيدي الأجهزة الأمنية المختلفة.
حملات وضحايا
إلى ذلك، تمكن فريق مشترك من الأجهزة الأمنية من ضبط شبكة اتجار بالبشر في ولاية كسلا شرق السودان، وحرر أكثر من 65 ضحية من جنسيات عدة، إضافة إلى 10 سيارات منهوبة ودراجات نارية وخمور أجنبية.
وقال والي كسلا المكلف الصادق محمد الأزرق إن “القوة المشتركة وضمن حملاتها الأمنية المعلنة ضد العصابات الإجرامية والمتفلتين، حررت أكثر من 65 ضحية من قبضة عصابات تهريب البشر، مقيدين بسلاسل من حديد، وبعضهم في ظروف صحية حرجة”.
وأشار الوالي إلى أن “القوة الأمنية ضبطت 10 سيارات منهوبة ودراجات نارية وخموراً أجنبية، متعهداً بعدم التهاون في قضية الأمن التي اعتبرها خطاً أحمر”.
ونوه الأزرق بأهمية استمرار الحملات الأمنية لتجفيف الولاية من منابع الجريمة والمجرمين، داعياً المواطنين إلى التعاون مع السلطات في توفير المعلومة والتبليغ عن أية ظواهر سلبية.
في حين، أوضح قائد اللواء “41 مشاة” بمدينة كسلا، العميد ركن أحمد داوود أن “عملية تحرير الضحايا الأجانب تأتي في سياق الخطط الأمنية المعلنة والحرب على الجريمة والمهددات الأمنية والممارسات السلبية”.

نشاط مكثف
في السياق، قال الشرطي السابق المتخصص في الجريمة المنظمة، عبدالشكور حسن أحمد إن “عمليات التهريب والاتجار بالبشر نشطت بصورة مكثفة في الفترة الأخيرة بسبب تداعيات الحرب والسيولة الأمنية، وكذلك غالبية الطرق ونقاط نشاط العصابات تقع في دائرة الاشتباكات وإطلاق النار، ومن ثم هذه الأسباب مجتمعة أسهمت في تسهيل أنشطة التهريب إلى أوروبا عبر الطرق الرئيسة من غرب السودان إلى ليبيا، وعبر أم درمان إلى مصر، إلى جانب المنافذ الحدودية البرية والبحرية من البحر الأحمر”.
وأضاف المسؤول الشرطي السابق “عقب اندلاع الحرب نشطت العصابات في تهريب ما بين 100 إلى 130 ضحية في اليوم، وتستأجر مقار لإيواء المهاجرين في مناطق عدة فترة طويلة تمهيداً لبداية المرحلة التالية من الرحلة صوب الحدود في اتجاه البحر المتوسط، بخاصة الأثيوبيون الذين يفضلون الذهاب إلى إيطاليا، وتكون إنجلترا الوجهة المفضلة للسودانيين”.
وأوضح أحمد أن “هجرة النقطة العمياء تأتي إلى السودان من دول تشاد والكونغو ومالي عن طريق غرب البلاد مروراً بكردفان ومنها إلى ليبيا، إذ تنشط العصابات في التهريب والاتجار بالبشر”، ولفت إلى أن “أنماط تجارة البشر تطورت لتتخذ شكل تجارة الأعضاء البشرية التي راح ضحيتها أعداد كبيرة من الشباب، وكذلك تجارة الجنس خصوصاً في ظل رغبة مئات الفتيات في الهجرة عبر التهريب”.
وتابع المتخصص في الجريمة المنظمة، “ظروف الحرب أضعفت آليات الرقابة ونقاط التفتيش خصوصاً بعد استنفار الجهود كافة للمعارك الحربية، ومن ثم حدث فراغ كبير، لا سيما في منطقة سهل البطانة الذي يتداخل في أربع ولايات سودانية، وشرق النيل في ولاية الخرطوم”.
سيولة أمنية
على صعيد متصل قال المتخصص في دراسات الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر هشام محيي الدين إن “هناك سيولة أمنية تضرب بأطنابها في السودان بسبب الصراع المسلح وانصراف الأجهزة الأمنية عن مهامها الأساسية نتيجة لعدم الاستقرار بالبلاد، مما أدى إلى تغييب جزء مهم منها، إضافة إلى ظهور العناصر الإجرامية في المدن والمناطق الطرفية”.
وأضاف المتخصص في دراسات الهجرة “الاتجار بالبشر يسبب إزعاجاً للحكومة باعتبار السودان دولة عبور، وقد نشط من الدول المجاورة في الشرق، مروراً بالصحراء الغربية إلى ليبيا، ومنها إلى الساحل الليبي نحو أوروبا”.
وأوضح محيي الدين أن “العصابات استفادت من الأوضاع الحالية في العودة مرة أخرى لإرسال المواطنين من دول الجوار عبر الأراضي السودانية، وما أنجزه الفريق المشترك من الأجهزة الأمنية في ولاية كسلا شرق السودان خلال الأيام الماضية بالقبض على هذه الشبكة، يعكس تطوراً في الرقابة والمتابعة على رغم ظروف الحرب”.
ونوه المتحدث بأن “التصدي للاتجار بالبشر يكون عبر تفعيل سبل الوقاية بإشاعة الأمن، بخاصة المجتمعي، لأن اللجوء إلى هذه الجريمة يكون بدافع استغلال العصابات الثغرات الأمنية والقانونية، ومحاولات هروب الضحايا من واقعهم بسبب العطالة، فيتجهون إلى تنظيمات هذه العصابات رفضاً للمجتمع وأملاً في تحقيق أحلامهم”.




