مقالات

عبد الله.. وعبد الله.. وعبد الله..!!

يس علي يس

في السنين البواكر.. كان عشقنا لكرة القدم يقودنا إلى تحديات في المربعات المجاورة لحينا.. نتجمع عصر أو صباح يوم ونمضي كفريق لتحدي فرق الأحياء المجاورة،ونقضي “عصريتنا” بين غالب ومغلوب، ثم ربما ينتهي التحدي “بي شكلة” أو بصوت عمنا المرحوم “عبد الله التوم” من زاوية مربع ٢٨ بالصحافة قبل أن تتحول إلى مسجد كبير بفضل الله أولا وأخيرا، ثم بفضل جهد واجتهاد لجنة الحي الموقرة..

كان عمنا عبد الله التوم صاحب صوت جهور، وجميل، ومنذ صبانا الباكر نحن نستيقظ على صوته في صلاة الفجر، وننام على صوته في صلاة العشاء، ولم يكن عمنا عبد الله التوم رحمه الله وأسكنه فسيح الجنات، مجرد مؤذن، بل كان محور كون المربع، والمشرف على كل صغيرة وكبيرة فيه، كان هو القاسم المشترك الذي يقبل القسمة على كل سكان المربع، كبيرهم وصغيرهم، النساء والرجال، وحتى الأطفال، يداعبهم وهو يتنقل بعربته العتيقة التاكسي “الهنتر” وقد كان صاحب كلمة مسموعة لا لصوته الجهير، ولكن لأن الجميع يحبه وكأن الله حبب خلقه في شخص العم عبد الله التوم، وقد كان هو “دكتور الحلة”، يلجأ إليه الجميع في عمليات الختان، وفي “الحقن” وفي الاستشارات الطبية، والجروح العابرة، لذلك كان باب بيته مفتوحا على مدار الساعة، لم يتجهم في وجه أحد، ولم يرفض أحدا، وحين أغمض عمنا عبد الله التوم إغماضته الأخيرة، كان ركنا ركينا من المربع قد انهدم، ولم يبكه أهل بيته وحدهم، بل بكاه الجميع بدموع صادقة وحزن عميق..!!

“2”

في مكان محفوظ خلف الإمام ستجد كرسيا موضوعا بعناية، وأمامه حامل كبير يحمل مصحفا بحروف كبيرة، لا يتحرك من مكانه إلا لغياب صاحبه لسفر أو مرض، ستجد نفسك أمام عمنا المرحوم عبد الله يوسف رحمة الله عليه؛ هو رجل أبيض البشرة، قصير القامة؛ خط الدهر على وجهه آثار السنين، ومنحه الشيب وقارا على وقار خطواته الدائمة للزاوية ومن ثم االمسجد، وهو ما ربى عليه ذريته في ارتياد المساجد والااهتمام بها، ودعمها سرا وعلانية والمساهمة في إعمارها بالمال والبنون واليد والفكرة والعقل، كان عمنا عبد الله يوسف مداوما على تلاوة كتاب الله، بصوت جهور أيضا، وكان أحرص الناس على تلاوة وحلقة الفجر، يقرأ في الحلقة ما يتيسر ثم ينتظر الشروق ليمضي إلى رزقه في بقاع الأرض حلالا طيبا، لم يكن عمنا عبد الله يوسف رحمة الله عليه ليرضى أن نذكر شيئا من مساهماته في إعمار مسجد وزاوية ٢٨ ولعله أراد أن يجدها هناك عند من لا تضيع عنده الودائع، ولعله أرضى الله بالبذل فأرضاه ربه بالعطاء، عمنا عبد الله يوسف من سكان مربع ٢٧ المطل على ٢٨ ولكنه جزء أصيلا من ٢٨ ولا يمكن حصر سكانها دون ذكر عمنا عبد الله يوسف وأبنائه الكرام، وهم يسيرون على درب أبيهم، وسيجدون ذلك حيث أرادوا أن يجدوه دائما..

“3”

برحيل العم عبد الله سليمان العطا رحمه الله وأحسن إليه مؤخرا في أيام الحرب هذه، فقد المربع حكيما وعقلا كبيرا، بل فقد كبير المربع، وعمنا عبد الله سليمان هو أستاذ ومربي في المقام الأول، عاش حياته بسيطا وفي حاله، بالرغم من أن الدنيا كانت تجرجر إليه أذيالها وتأتيه طائعة، تقلد منصب محافظ محافظة جبل أولياء، ثم منظمة الشهيد إن لم تخني الذاكرة، ثم بعدها انزوى في منزله، يقضي سحابة يومه غدوا ورواحا من وإلى المسجد، كان عمنا عبد الله سليمان في الصف الأول خلف الإمام طوال حياته، وفي كثير من الأحيان إمام وخطيب مسجدنا، يحدثك عن الدنيا حتى تنسى الآخرة، ويحدثك عن الآخرة حتى تنسى الدنيا، وهو رجا متوازن وعلامة وفقيها في الدين والدنيا معا، وقورا، لا يتحدث إلا بمقدار الحاجة، ينبه الناس دون أن يجرح أحدا، وتجده في كل مكان حين يحتاج الأمر إلى الكبار، عمنا عبد الله سليمان بقي في منزله طويلا خلال فترة الحرب هذه، ورفض الخروج بالرغم من مخاطر وجوده باعتبار انتمائه للحركة الإسلامية، إلا أن الظروف الصحية أجبرته على المغادرة إلى دنقلا، حيث لقي ربه هناك..!!

رحم الله كل كبار وفقداء المربع الذين أسهموا في نهضته، وإنما ساقني للحديث عن الثلاثي لكون أن الاسم يجمعهم وليس إغفالا لجهود آخرين..

تقبل الله عمنا عبد الله التوم.. وعمنا عبد الله يوسف.. وعمنا عبد الله سليمان.. وبارك في ذريتهم وجزاهم عنا خير الجزاء..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع