مقالات

خطر المليشيات ونذر اندثار الدولة 

د. أحمد عثمان عمر

في حاضرنا وفي تاريخنا أيضاً، تبدو شاخصة خطورة تكوين مليشيات موازية للجيش النظامي، واستيعابها في منظومة السلطة. فتكوين مليشيا الجنجويد الإرهابية بواسطة الحركة الإسلامية المجرمة، كرس للتفلتات في البداية والصدام مع أجهزة الدولة الاستبدادية كما حدث مع أحد حكام الولايات الغربية الذي طردها من ولايته في عهد المخلوع، وانتقل إلى قمع المظاهرات السلمية وفض اعتصام القيادة العامة بمجزرة مروعة شاركت فيها سلطة الإسلاميين بقيادة جنرالاتهم الواجهة، ووصل إلى المشاركة في الانقلابات المتتالية والمشاركة في حرب واسعة قضت على ما تبقى من مظهر الدولة. وفي تاريخنا كان لتكوين مليشيا موازية للجيش النظامي من قبل سلطان السلطنة الزرقاء في حاضرتها سنار لحماية كرسيه من تآمر أقاربه، نتيجة مدمرة حين ابتلعت المليشيا الدولة وقادت لحروب داخلية مكنت المستعمر الغازي من السيطرة على البلاد بسهولة ودون مقاومة فعلية وما أشبه الليلة بالبارحة. فالمليشيا تاريخيا مكنت السلطان من هزيمة أعدائه ووسعت ملكه، ومن ثم قادت إلى عزله وتمكنت من دولته، والمليشيا المجرمة حاليا لعبت دورا في انقلاب القصر ومن ثم انتزعت جزءا كبيرا من البلاد وسيطرت عليه وهزمت الجيش النظامي المختطف في كثير من المعارك. وبما أن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، ويعيدها في صورة ملهاة أو مأساة ، جاءت عودة التاريخ مأساوية جدا لعدم التدبر وقصر النظر والعودة لتكوين المليشيات تحت سيطرة شهوة السلطة والرغبة في السيطرة على الحكم بأي ثمن.

والغريب ان نفس الجهة التي كونت مليشيا الجنجويد الإرهابية ؟؟(الحركة الإسلامية المجرمة) ، التي قننتها بتشريع وفرضتها على التسوويين فشرعنوها معها دستوريا وساووها بالجيش المختطف بموجب الوثيقة الدستورية المعيبة، مازالت تصر على تكوين المليشيات وتقويتها على حساب الجيش المختطف. فالناظر إلى الساحة العسكرية والسياسية، يجد ان مليشيات هذه الحركة المجرمة تعمل علنا وتتزيأ بزي القوات المسلحة وتتصرف على أساس أنها الآمر الناهي، ومليشيات حركات محاصصة جوبا التي انخرطت في حرب الإسلاميين من أجل الحفاظ على التمكين والمسماة بالمشتركة حضورها العسكري والسياسي مؤثر وفاعل، وكذلك مليشيا الجنجويدي العائد إلى حضن مركز تفريخ المليشيات والمقدم كبطل مساهمتها في الحرب مشهودة، وتكوين المليشيات على أساس قبلي وعرفي هو السائد في المشهد من قبل جميع الأطراف، بعد أن نجحت الحركة الإسلامية المجرمة في تفتيت وضرب مؤسسات المجتمع المدني طوال ثلاثين عاما من الاستبداد، وأعادت تشكيل المجتمع على أساس مجتمع ما قبل الرأسمالية وبنيته الأساسية المتمثلة في القبيلة، للمحافظة على تمكينها ومكتسباتها وامتيازاتها، بعد أن سقط مشروع التضليل والتجارة بالدين المسمى المشروع الحضاري الهلامي المكرس لسلطة رأس المال الطفيلي.

والشواهد على خطورة هذه المليشيات على مستقبل البلاد كثيرة، بل هي لا تحصى ولا تعد. منها التفلتات المستمرة لعناصر تلك المليشيات وعدم احترامها لما تبقى من مظاهر سلطة دولة تهاوت بالفعل بعد ان نخرها الفساد والمحسوبية وقوض أركانها الاستبداد وأنهكتها الحرب. فمواقع التواصل الاجتماعي تعج بحالات هجوم المليشيات على مراكز الشرطة في المركز لإطلاق سراح منسوبيها المتهمين بجرائم خطيرة كالاتجار بالمخدرات، لا يجوز فيها إطلاق سراح الموقوفين بالكفالة والضمان، وذلك بقوة السلاح الذي يتجاوز تسليح الشرطة. وكذلك بتسريبات صوتية لقيادات من هذه المليشيات تتعالى فيها على سلطة الدولة، وتطالب بتوطين نازحي دارفور المزعومين في الولاية الشمالية بدلا من المطالبة بعودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم إن كانوا فعلا قادمين من دارفور، في خطاب تهكمي فيه تحد واضح للسلطة مع اتهام لها بالعجز في مواجهة مليشيات محاصصة جوبا. أيضا نشهد خطاب كراهية وعنف بين هذه المليشيات بعضها بعضاً، واحتكاكات عنيفة بين أفرادها، تتكرر بين الحين والآخر. وهذه الاحتكاكات لا تقتصر على العنف اللفظي وتغذى عبر خطاب الكراهية بين أبناء غرب السودان والسودان الشمالي النيلي عبر خطاب عنصري وخطاب عنصري مضاد فحسب، بل تمتد لتشمل صراعا بين مليشيات الحركة الإسلامية المجرمة نفسها ومليشيا الجنجويدي التائب العائد إلى حضن جنرالات الواجهة كما رشح مؤخراً.

والسمة العامة هي مواجهة السلطة الانقلابية الحاكمة لهذه التفلتات التي تتجاوز مرحلة الانتهاكات إلى الجرائم، بالاحتواء والطبطبة وتسوية الأمر بدلا من المحاسبة، وهي مسألة مفهومة في ظل حاجتها لبندقية هؤلاء للقتال بجانبها في حربها الماثلة، ولكنها خطرة جدا على حاضر ومستقبل البلاد وعلى جميع المواطنين. اولا لأنها تعطي انطباعا بعجز الجيش المختطف وفشله في القيام بواجبه الوحيد وحاجته المستدامة لمليشيات تقاتل معه، وثانيا تعطي خلاصة منطقية بأن هذا الجيش المختطف غير قادر على السيطرة على هذه المليشيات. ولو كان الأمر هو أمر حاجة طارئة فقط، يمكن افتراض ان العجز عن السيطرة مؤقت ومرتبط بالحرب الراهنة، ولكن من التجربة التاريخية القريبة يتضح أن هذه الحاجة دائمة ومستمرة على الأقل منذ حوالي ربع قرن عند اندلاع التمرد في دارفور، بل وقبل ذلك في حرب الجنوب سابقاً التي تم تكوين مليشيا الدفاع الشعبي أثناءها مع الاستعانة بمليشيات القوات الصديقة الجنوبية. وهذا يوضح أن الاستعانة بالمليشيات ليس مسألة عارضة أو مؤقتة، بل هي نهج وسياسة معتمدة سببها الواضح هو حاجة الجيش المختطف المستدامة لمليشيا تقاتل بجانبه بدلا من أن يقوم جيش محترف ومهني واحد بمهمة القتال وفقا لما ينص عليه قانون القوات المسلحة.

لذلك تبقى المخاوف حقيقية من خطورة هذه المليشيات على استقرار البلاد حاضرا ومستقبلا، إذ ليس هناك ما يمنع من ان تتحول مليشيا المشتركة إلى مليشيا جنجويد جديدة في حال خروجها من السلطة في إطار أي تسوية مفروضة دوليا للحرب الراهنة لا ترضيها. وليس هناك ما يمنع ان تتحول مليشيات الحركة الإسلامية المجرمة إلى مليشيات إرهابية هي الأخرى في حال جاءت تسوية الرباعية على غير هواها، خصوصا وان هذه الحركة مختطفة للجيش ومسيطرة سيطرة كاملة على جهاز الأمن الخاص بها المسمى جهاز الأمن الوطني، ومن غير المستبعد تذويب هذه المليشيات في هذه القوات النظامية لاستمرار السيطرة على الأذرع الضاربة للسلطة، ولكن في حال اعتراض المجتمع الدولي على ذلك، لا يستبعد تمرد هذه المليشيات على السلطة القادمة في أي مرحلة. أما مليشيا الجنجويدي التائب العائد، فصدامها مع السلطة أو مع مليشيات الحركة الإسلامية المجرمة فمتوقع، وربما تصطدم مع مليشيات المشتركة في أي وقت ايضاً.

هذا الخطر الداهم غير المؤجل، ليس هناك ما يؤشر إلى أن الجيش المختطف والمنهك من الحرب والعاجز عن تحقيق نصر عسكري حاسم على مليشيا الجنجويد المجرمة، قادر على السيطرة على الوضع أو قادر على هزيمة أي من هذه المليشيات في حال تمردها. فنتيجة تمرد مليشيا الجنجويد الإرهابية الخارجة من رحم القوات المسلحة وفقا لتصريحات الجنرالات الانقلابيين الموثقة، بادية للعيان وشاخصة في سيطرة هذه المليشيا على مساحات في البلاد أكبر من مساحة فرنسا، ولا ضمانات لعدم تمددها أكثر.

لذلك سنبقى نحذر من خطر هذه المليشيات على ماتبقى من مظهرالدولة، وخطرها على وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي، وخطرها على امن المواطن واستقراره، وننادي بحلها جميعا دون استثناء، مع تحذير مستمر من تبني نهج تكوين المليشيات وتكليفها بالقيام بدور الجيش المهني المتروك في سبيل التفرغ لممارسة النشاط السياسي والاقتصادي الذي يجب أن تبتعد عنه الجيوش لتتفرغ لمهامها القانونية في حماية حدود البلاد وحراستها من أي هجوم خارجي.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع