قد يندهش المرء حين يعرف إن الوجود السوداني في يوغندا قديم، وأن هذا الوجود له بصمات ظاهرة في تاريخ يوغندا، بل أنه ساهم في تشكيل دولة يوغندا الحديثة. ليست هذه وجهة نظر خاصة أو شخصية لكنها معلومات موثقة أوردها الجنرال موسس علي، النائب الثاني لرئيس الوزراء في الحكومة اليوغندية الحالية وعضو البرلمان في كتابه التوثيقي المهم ” The Odyssey of the Nobi from Soldiers of the British Empire to Full Citizens in Uganda”
وترجمته “ملحمة النوبي من جنود الإمبراطورية البريطانية إلى المواطنة الكاملة في يوغندا” والذي صدر في كمبالا قبل عامين. بالمناسبة كلمة نوبي هنا ليست صفة فردية بل هو اسم المجموعة ككل.
وبالانجليزية يقولون عن انفسهم Nobi C0mmunity ولا يستخدمون مصطلح Noba أو Nobian
تقاطعنا مع هذا الكتاب بالصدفة، فقد نبهنا له إثنان من الأصدقاء ، ثم أخبرنا صديقنا الإعلامي المغامر محمد عيسى بأنه أسس دار نشر وسيقوم بنشر النسخة العربية من هذا الكتاب، ورتب لنا زيارة للجنرال موسى علي في مكتبه حيث تبادلنا معه النقاش حول الكتاب وأهميته وتجربته الشخصية باعتباره أحد رموز المجتمع النوبي في يوغندا.
وقد تمت ترجمة الكتاب للغة العربية وسيتم الاحتفال بذلك قريبا.
جاء الكتاب في تسعة فصول، تناول الفصل الأول النوبة، الأصل والهجرة والاستقرار، والثاني عن التأثير الإسلامي للنوبة في يوغندا، الفصل الثالث نقاش عن هوية النوبة هل هم سكان أصليون أم مستوطنون.
تناول الفصل الرابع قصة التمرد النوبي في القرن التاسع عشر، والخامس عن معاناة النوبة في أوغندا المستقلة 1962-1971، ثم السادس عن النوبة تحت حكم نظام عيدي أمين.
ويستعرض الفصل السابع نشوء جبهة تحرير يوغندا، والثامن عن حكومة ملتون أوبوتي الثانية وموقف النوبة، وأخيرا الفصل التاسع عن استعادة الحقوق في ظل حركة المقاومة الوطنية.
الكتاب إذن لا يناقش التاريخ البعيد للمجتمع النوبي في يوغندا، لكنه يناقش أيضا مواقفهم ومساهماتهم في التاريخ الحديث يوغندا،
لكن من هم النوبة في يوغندا..ومن أين جاءوا؟ يجمع معظم المؤرخين أن أساس النوبة في يوغندا هم الجنود السودانيون الذين خدموا في الجيش الاستعماري الذي شق طريقه لشرق أفريقيا من مصر والسودان بدءا من عهد الخديوي إسماعيل الذي أرسل جيشه بقيادة أمين باشا جنوبا حتى المنطقة الاستوائية، وبعدها توغلوا جنوبا إلى يوغندا وكينيا وتنزانيا كجزء من الجيش البريطاني.
ويجمع المؤرخون كذلك أن القوة الضاربة لهذا الجيش كانت من قبائل جنوب السودان، وبالذات القبائل الاستوائية مثل الأشولي، المادي، الزاندي، الباري والمنداري، بجانب مجموعات من الدينكا النوير والشلك.، ثم قلة من جبال النوبة ودارفور. وفي ظل الحكم التركي ثم الحكم الثنائي كانت اللغة العربية هي السائدة في الجيش لهذا فقد استعرب هؤلاء الجنود ثم تبنوا الديانة والثقافة الإسلامية، كما أنهم تزاوجوا فيما بينهم وذابوا في بعضهم البعض.
وحين وصلت طلائع الفرقة التي اتضمت للجيش البريطاني إلى كمبالا تجت قيادة سليم بيه، وهو من نوبة شمال السودان، ساله الملك الكباكا عن قبيلتهم، فأجاب بأنهم نوبة، وهكذا صار هذا المصطلح يطلق على كل الجنود السودانيين في الجيش البريطاني في شرق أفريقيا، يما في ذلك تجمعاتهم في كينيا وتنزانيا, وكان يطلق كلمة نوبي على كل من ياتي من السودان.
وطورت هذه المجموعة لغة خاصة بها اعتمدت في الاساس على اللغة العربية وتسمى “كينوبي”. وقد انتشروا في مناطق مختلفة من يوغندا، لكن التركيز الاكبر في مناطق الشمال والعاصمة كمبالا.
ينظر المجتمع النوبي بيوغندا بتقدير كبير إلى سليم بيه، ويعتبرونه رمزا نضاليا وزعيما صاحب قدرات كبيرة، وهو الزعيم المؤسس للوجود النوبي في يوغندا. عمل تحت امرة القيادات العسكرية البريطانية وكان فارسا وقائدا عظيما، ساهم بالعمل مع السلطات الاستعمارية على تشكيل دولة يوغندا الحالية.
ويبدو إننا لن نستطيع استعراض الكتاب في حلقة واحدة، وسنكمل العرض غدا بإذن الله.