تتسارع وتيرة العمليات العسكرية في السودان على نحو يشي بأن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، ليس فقط بفعل توسع رقعة الاشتباكات، وإنما بسبب تغير أدوات القتال وتداخل العوامل الإقليمية. فخلال الأيام الأخيرة، شهدت ولايات شمال كردفان والنيل الأزرق ودارفور تصعيدًا لافتًا، كان عنوانه الأبرز الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي واستهداف المدن ذات الثقل الاقتصادي والسكاني.
في مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، سقطت قذائف مدفعية داخل أحياء مدنية، وطالت الضربات المنطقة الصناعية ومخازن ومحال تجارية وورش صيانة. وبالنظر إلى أن الأبيض تمثل عقدة مواصلات ومركزًا اقتصاديًا رئيسيًا في إقليم كردفان، فإن أي استهداف لها لا يقتصر أثره على البنية المادية، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد الزراعي والنقل والتجارة. وقد أعلنت قيادة الفرقة الخامسة مشاة التابعة للجيش السوداني اعتراض عدد من المسيّرات، فيما نُسب الهجوم إلى قوات الدعم السريع، في سياق المواجهات المستمرة منذ أبريل 2023.
غير أن الأبيض ليست سوى جزء من مشهد أوسع. ففي النيل الأزرق، شنت طائرات مسيّرة هجمات على مدينتي الكرمك وقيسان، ما أدى إلى نزوح نحو 300 عائلة باتجاه الدمازين. وتزامنت هذه التطورات مع تقارير عن تنسيق عسكري بين قوات الدعم السريع وفصيل من الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، إضافة إلى إشارات عن تحركات مرتبطة بجوزيف توكا في المنطقة. ومع امتداد التوتر إلى المناطق الحدودية القريبة من إثيوبيا وجنوب السودان، يصبح الإقليم مفتوحًا على احتمالات تصعيد عابر للحدود، خصوصًا في ظل حديث تقارير دولية عن وجود معسكرات للدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية.
أما في دارفور، فقد استمر التوتر في منطقة الطينة الحدودية مع تشاد، حيث أدى إغلاق المعابر إلى تعطّل الإمدادات الغذائية والطبية، ما ضاعف معاناة آلاف النازحين. وتأتي هذه التطورات بعد توثيق مقتل عشرات المدنيين في منطقة مستريحة بشمال دارفور، في مؤشر على أن الكلفة الإنسانية للحرب تتزايد بالتوازي مع التحول النوعي في أدوات القتال.
في خضم هذا المشهد الداخلي المضطرب، يبرز سؤال الإقليم بقوة. فالتصعيد الإيراني الإسرائيلي الأخير، وما تردد عن ضرب إيران للإمارات وإغلاق مجالها الجوي، يطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على توازنات الحرب السودانية. فالإمارات تُعد حليفًا رئيسيًا لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وأي اضطراب في بيئتها الأمنية أو في خطوطها الجوية قد ينعكس – ولو مؤقتًا – على شبكات الدعم اللوجستي والتمويل.
من الناحية النظرية، يمكن القول إن انشغال قوى إقليمية رئيسية بصراع مباشر أو شبه مباشر قد يعيد ترتيب أولوياتها، ويقلل من هامش تدخلها في ساحات أخرى. غير أن هذه فرضية عمل وليست نتيجة حتمية؛ إذ إن شبكات النفوذ لا تعمل دائمًا وفق منطق المواجهة العلنية، بل قد تتحول إلى مسارات غير مباشرة وأكثر تعقيدًا. كما أن إغلاق المجال الجوي لدولة بحجم الإمارات – إن طال أمده – قد يؤثر في حركة الطيران والشحن الإقليمي، وهو ما قد ينعكس على مسارات الإمداد في أكثر من ساحة، بينها السودان.
في المقابل، قد يدفع اتساع رقعة التوتر بين طهران وتل أبيب أطرافًا إقليمية إلى البحث عن ساحات نفوذ بديلة أو أوراق ضغط إضافية، ما يجعل السودان – بحكم موقعه الجغرافي وتشابكاته – عرضة لمزيد من التداخلات. فالحرب هناك لم تعد صراعًا ثنائيًا صرفًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات قبلية وإقليمية ودولية.
ويظهر ذلك بوضوح في التحركات القبلية والسياسية المرتبطة بنظارة الرزيقات، ولقاء ناظر القبيلة محمود موسى مادبو مع حميدتي في جوبا، وسط توترات داخلية أعقبت أحداث مستريحة. فإعادة ترتيب البنية القيادية داخل الحواضن الاجتماعية لا تقل أهمية عن التحركات العسكرية، لأنها تمثل العمق الذي تستند إليه القوى المتحاربة.
هكذا يبدو السودان اليوم عند نقطة تقاطع حادة: تصعيد عسكري داخلي يتسم باستخدام متزايد للمسيّرات واستهداف البنية التحتية، وأزمة إنسانية تتفاقم، وسياق إقليمي مضطرب قد يعيد تشكيل موازين الدعم والتحالف. وإذا كان من المبكر الجزم بأن الصراع الإيراني الإسرائيلي سيغير مسار الحرب السودانية بشكل مباشر، فإن المؤكد أن أي خلل في شبكة التحالفات الإقليمية سيترك أثره، ولو تدريجيًا، على مسرح العمليات في الخرطوم والأبيض ودارفور والنيل الأزرق. وفي الحروب المعاصرة، لا تبقى الجبهات معزولة؛ فاهتزاز حجر في الإقليم قد يُحدث صدعًا في الداخل، خاصة حين تكون الدولة نفسها منهكة ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي.