الدراما السودانية: شخصيات تبحث عن سيناريست
الذي يتابع الدراما السودانية التي عُرضت في شهر رمضان هذا العام والأعوام السابقة، سيأتيه انطباع بأننا ما زلنا نحبو في سكة الدراما، وأننا في نقطة البداية، فلا بأس إن جاءت بهذه الأخطاء الفادحة والسطحية المبتذلة، فسنتعلم في مقتبل الأيام.
الحقيقة غير ذلك تمامًا، فالتاريخ يقول إن الدراما التلفزيونية ذات تاريخ وحضور قديم، بدأت مع بدايات التلفزيون في مطلع الستينيات، وإن كانت تُقدَّم على الهواء قبل اختراع تقنية الفيديو، وعدم وجود إمكانية للتسجيل إلا عبر التقنيات السينمائية المكلفة. وتقول الوثائق إن المسلسلات، بشكلها المعروف، بدأت بعد ذلك بسنوات قليلة، واستفادت من وجود كُتّاب وممثلين ومخرجين لهم صلة سابقة بالفنون الدرامية عبر المسرح والمسلسلات الإذاعية المعروفة وكثيفة المتابعة.
ولا زلت أذكر كيف كنا، ونحن صغار، نتابع مع الأسرة مسلسلات الإذاعة التي كانت تشكّل وجدان الناس، مثل: “خطوبة سهير” و”المقاصيف” لرائد الكتابة الدرامية مسرحًا وإذاعة، حمدنا الله عبد القادر، وبالمناسبة هو والد الكاتب والمستشار القانوني المعروف سيف الدولة حمدنا الله، ومثل “قطر الهم” و”الحراز والمطر” و”طائر الشفق الغريب” لهاشم صديق وآخرين.
ولا يزال في الذاكرة صوت أبو عركي البخيت وهو يغني مقدمة مسلسل “قطر الهم”:
“قطر ماشي.. وعمي الزين وكيل سناطور، وزي ما الدنيا سكة طويلة مرة تعدي ومرة تهدي.. مرة تدور، عمي الزين محكَّر في قطار الهم، يشرق يوم، يغرب يوم، شهور ودهور”.
بالمناسبة، “السناطور” هو بوفيه القطار، ولا أعلم سر التسمية ومرجعياتها.
استفادت الدراما التلفزيونية من وجود أعداد كبيرة من نجوم المسرح والدراما الإذاعية، فكانوا هم أساس وعماد الدراما التلفزيونية. جاءوها بخبرات كبيرة متراكمة، وبقدرات أدائية مذهلة، وقدموا أعمالًا هائلة، سواء على مستوى الاسكتشات الكوميدية، مثل الأعمال المتميزة لمجموعة الأصدقاء في “محطة التلفزيون الأهلية”، التي لا تزال أعمالهم عالقة بالذاكرة، أو المسلسلات التي ضمت أيضًا نجومًا وأسماءً مميزة.
في البال والذاكرة مسلسلات مميزة لاقت نسبة مشاهدة عالية جدًا، مثل: “المال والحب”، “أقمار الضواحي”، “سكة الخطر”، “دكين”، “الدهباية”، “الشاهد والضحية”، “بيوت من نار”، “وادي أم سدر”، “اللواء الأبيض”، “الشيمة”، وكثير غيرها… حتى نصل إلى العمل خفيف الدم “إكس لارج”.
تخيّل، مثلًا، مسلسل “المال والحب” الذي تم تقديمه في منتصف الثمانينيات، تأليف عمر الحميدي وإخراج فاروق سليمان، وكان من نجومه: عوض صديق، الشاذلي عبد القادر، تحية زروق، فايزة عمسيب، محمود الصباغ، جلال البلال، عبد الحكيم الطاهر، موسى الأمير، محمد السني، جمال حسن سعيد.
ثم عندك المسلسل العلامة “أقمار الضواحي”، تأليف عبد الناصر الطائف، وإخراج قاسم أبو زيد. وإن كان لديك وقت كافٍ، فدعني أعدد لك نجومه: عيسى تيراب، بلقيس عوض، حسن يوسف، زكية أحمد عبد الله، نادية أحمد بابكر، سعاد محمد الحسن، موسى الأمير، فتحية محمد أحمد، محمد خيري أحمد، إخلاص نور الدين، صالح عبد القادر، محمد المهدي الفادني، سامية عبد الله، جمال عبد الرحمن، رابحة محمد محمود، عوض صديق، صلاح أحمد محمد، الصحفية مشاعر عبد الكريم، السر محجوب، الطيب شعراوي، قسم الله حمدنا الله. هؤلاء قادرون أن “يشيلوا بلدًا بحالها”، وليس مجرد مسلسل.
ولعله اشتهر أكثر بأغنية المقدمة التي كتب كلماتها قاسم أبو زيد، ولحنها محمود السراج، وغناها محمود عبد العزيز:
“أقمار الضواحي النور.. عشان الحزن ما يجرّح، عشان الصبح ما يروّح.. يلا نغني للفكرة، يلا نغني شان بكرة، للبلد الصِبح ذكرى، يا القابضين على الجمرة، يا النايمين بدون تمرة، يصحوا على حلم راجع، يكتبوا في الفضا الشاسع، يحلموا بوطن واسع.. وطن واسع وطن شاسع، لا محزون ولا مهموم، لا مسجون ولا محموم.. ومهما ضاقت الأحوال، أكيد قلم الظلم مكسور”.
هذه مسلسلات عالجت قضايا الناس وهمومهم، ولامست حياتهم، مثل قضايا التعليم وتغيّر القيم الاجتماعية… إلخ، ورأوا أنفسهم في شخوصها، وقام بناؤها على تراث وخبرة الدراما السودانية في المسرح والإذاعة، فلم تأتِ منبتّة ولا مقطوعة نسب.
وقد انقطعت بسبب ضعف القدرات الإنتاجية وشُحّ التمويل.
وهذه هي مشكلة ومأزق الدراما التي يتم تقديمها في السنوات الحالية، فهي في معظمها، إلا قليلًا، ينطبق عليها أنها منبتّة ومقطوعة نسب، لا صلة لها بالتراث الدرامي السوداني، ولا خبرة سابقة، إلا فيما ندر، وليست لديها نصوص معقولة. وحتى النجوم المعروفون، مثل ربيع طه وعوض شكسبير وأبوبكر فيصل وجلواك وغيرهم، يهدرون قدراتهم المهولة في أعمال فقيرة تنتج شخصيات نمطية تجاوزها الزمن.
طيب، طالما وجدنا الآن منتجين يصرفون على هذه الأعمال، والتي تدر دخلًا من الإعلانات ومن المشاهدة على يوتيوب، فهل هي مشكلة نصوص؟ إذن فلأدلكم على مخزون غني وثر يحتاج إلى سيناريست ماهر ليخرج منه بالدرر.
ابحثوا عن كتابات الطيب عبد الماجد وشخصية “علوب”، ففيها مادة درامية كوميدية نظيفة وعالية الجودة، واطّلعوا على كتابات تاج السر الملك، سواء عن الذكريات القديمة في مدني والخرطوم، أو تجارب شخصية “عزو” في أمريكا. وهناك تماضر شيخ الدين وجمال عبد الرحمن وآخرون.
وهناك شخصيات تبحث عن سيناريست في كتابات عماد عبد الله عن حكاوي الديم، مع استبعاد “الخارجيات” طبعًا… وغيرهم كثير.
لعن الله الكسل وضيق الأفق.