مقالات

ثائر الأمس في خدمة قتلة الثوار والكنداكات

ابراهيم هباني (*)

نقل موقع The Africa Report أن مستشار قائد الجيش السوداني، أمجد فريد، يعتزم التوجه إلى الولايات المتحدة لإجراء مقابلة مع الإعلامي الأميركي Tucker Carlson، في إطار تحرك يستهدف كسب دعم سياسي في واشنطن. ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي إلى برلين سعياً لوقف الحرب في السودان بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على اندلاعها.

ليست المفارقة في الزيارة ذاتها، بل في رمزيتها وتوقيتها. ففي اللحظة التي ينتظر فيها الدفع بمبادرات لإنهاء نزيف الدم، تنشغل السلطة بمحاولات تحسين صورتها في الخارج. هناك تناقش فرص السلام، وهنا تُدار معارك العلاقات العامة.

وبين برلين وواشنطن، تتبدد الأولويات ويترك الوطن لأسئلة مفتوحة.

أمجد فريد، الذي عرف خلال ثورة ديسمبر كأحد الوجوه المرتبطة بالحراك المهني، يجد نفسه اليوم في موقع مستشار للسلطة العسكرية. هذا التحول لا يعكس انتقالاً سياسيا فحسب، بل يجسد أزمة أعمق في المشهد السوداني، حيث تتبدل المواقع وتعاد صياغة الشعارات، ويصبح خطاب الثورة أداة في خدمة السلطة.

الرهان على مقابلة إعلامية مع شخصية مثيرة للجدل يعكس خللا في تقدير اللحظة. فالحروب لا تحسم في الاستوديوهات، ولا تدار الدول عبر منصات العلاقات العامة.

إن كسب التعاطف الدولي لا يتحقق عبر الشاشات، بل عبر سياسات رشيدة توقف نزيف الدم وتعيد الاعتبار للدولة ومواطنيها.

وفيما يناقش المجتمع الدولي وقف الحرب في برلين، تبدو بعض التحركات وكأنها محاولة لتجميل المشهد بدلا من تغييره.

فالدبلوماسية الحقيقية تبدأ من الداخل، من وقف القتال وصون الكرامة الوطنية، لا من البحث عن منصات إعلامية في الخارج.

إنه، في نهاية المطاف، مشهد يلخص جنون السلطة: حين تستبدل السلام بالدعاية، وتبحث عن الاعتراف في الخارج بعدما فقدت ثقة الداخل. وعندها فقط، يكتب التاريخ عبارته القاسية: من خانت شعاراته، خانته الذاكرة.

ويبقى السؤال:
هل ينقذ استوديو في واشنطن بلدا يحترق، أم أن السودان بحاجة إلى شجاعة تعيد له ما سُلب من حلم الثورة؟

(*) كاتب وصحافي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع