تقارير

شلل الإنتاج يثقل كاهل السودانيين ويزيد معدلات الفقر

مشاوير - تقرير - إشراقة علي عبد الله

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في السودان بمستويات قياسية، وباتت تنهش أجساد المواطنين في ظل الحرب المستعرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ أكثر من ثلاث سنوات، إذ لم يعد التدهور المعيشي مجرد أزمة عابرة، بل تحول إلى أزمة خانقة أطاحت بسلاسل الإنتاج، مما وضع البلاد أمام اختبارات البقاء الاقتصادي، فضلاً عن ارتفاع مقلق في معدلات الفقر المدقع.

معلوم أن عدداً كبيراً من المصانع الواقعة في ولايتي الخرطوم والجزيرة تعرض لدمار شامل، مما أدى إلى تسريح العمال ومنحهم إجازات مفتوحة من دون رواتب، مما انعكس على مستوى أوضاعهم المعيشية، ومع تمدد رقعة الحرب لتطاول ولاية سنار وإقليمي دارفور وكردفان، فقدت البلاد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت تغطي أكثر من 40 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي، وبالتالي أصبح آلاف المزارعين والعمال الزراعيين بلا أعمال، فضلاً عن إسهامها في تعقيد الأوضاع الاقتصادية بصورة كلية.

أرقام صادمة

في السياق، كشف وزير الموارد البشرية معتصم أحمد صالح عن ارتفاع نسبة الفقر إلى 73 في المئة بين السودانيين، معتبراً أنه رقم صادم يعكس حجم التدهور المعيشي الذي خلفته الحرب منذ اندلاعها في أبريل عام 2023، بعد فقدان مصادر الدخل، بخاصة في مواقع الإنتاج.

وقال صالح إن خطة وزارته للعام الحالي تركز على بناء شراكات لتنفيذ نصف مليون مشروع يستهدف شريحة الشباب، إلى جانب مشاريع زراعية لتوفير التقاوي والأسمدة، مشيراً إلى أن هناك خطة خمسية للفترة من عام 2026 إلى عام 2030 تستهدف دعم أكثر من 3 ملايين مشروع لتحسين سبل العيش. ونوه وزير الموارد البشرية إلى جاهزية نحو 10 آلاف مشروع للمستفيدين، داعياً السودانيين العائدين من الخارج إلى الاستفادة من هذه العروض، ولفت، في الوقت نفسه، إلى أن الدولة تعمل على تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وتوفير فرص العمل عبر منافذ التمويل من المصارف وديوان الزكاة ومفوضية مكافحة الفقر.

على نحو متصل، أشارت الأمم المتحدة إلى أن السودان سبق أن حقق تقدماً ملموساً في مكافحة الفقر، إذ انخفضت النسبة من 38.1 في المئة عام 1990 إلى 15.6 في المئة عام 2011، لكنها عادت لترتفع تدريجاً حتى بلغت 45 في المئة عام 2023، قبل أن تقفز بصورة غير مسبوقة إلى 71 في المئة في نوفمبر عام 2025، وصولاً إلى 73 في المئة حالياً، إذ يعيش نحو 25 مليون شخص تحت خط الفقر المحدد بـ3 دولارات يومياً للفرد.

وزير المالية السوداني

أعمال هامشية

من جانبه، قال سيف الدين حبيب العامل في أحد المصانع بمدينة أم درمان إن “الحرب التي اندلعت في البلاد أفقدتني وظيفتي، إذ كنت عاملاً في أحد المصانع الكبرى التي كفلت لأفراد أسرتي الاستقرار المعيشي والإيفاء بكل متطلبات الحياة، إلا أنه سرعان ما ساءت أحوالي بعد اضطراري إلى مغادرة أم درمان إلى الولاية الشمالية، حيث تنعدم فرص العمل، إذ أجبرتني الظروف على العمل بائعاً على الأرصفة”، وأضاف حبيب أن أوضاعه المعيشية سيئة “بسبب البطالة في ظل زيادة أعداد النازحين ممن فقدوا أعمالهم”، وتابع ” بعد فقدان عملي عشت ظروفاً قاسية فترة طويلة، وحاولت إيجاد أي عمل يساعدني في توفير لقمة العيش، ومارست بيع الخضار في الأسواق الواقعة وسط الأحياء السكنية، لكن السلطات كانت لنا بالمرصاد بملاحتنا، بصورة مستمرة، بحجة تنظيم السوق، بخاصة أن معظم الذين نزحوا من الخرطوم إلى الولاية الشمالية اضطروا إلى العمل في المهن الهامشية بعد فقدان أنشطتهم الرسمية”.

وزاد حبيب “على رغم كفاحي المستمر في البحث عن الاستقرار، إلا أن محاولاتي فشلت في توفير الحد الأدنى من العيش الكريم”.

اتساع الفقر

في المنحى ذاته، أوضح الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة أن “معاناة السودانيين، في أوضاعهم المعيشية واتساع رقعة الفقر، نتاج طبيعي بسبب ظروف الحرب، التي أسهمت في تعطيل عجلة الإنتاج بصورة كاملة، وأثرت في مناحي الحياة الزراعية والحيوانية والصناعية والتجارية، فضلاً عن انقطاع التواصل الجغرافي بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك والتصدير”.

ولفت جمعة إلى أن الجهود المبذولة للتعافي من آثار الحرب في المناطق التي استعاد الجيش السيطرة عليها تواجه تحديات كبيرة في مقدمها ضعف توفير مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي للمنتجين، ناهيك بالأزمات اللوجستية التي تواجه قطاعات الإنتاج والتعدين، مما يتطلب تحركاً سريعاً ونشطاً للاستفادة من العلاقات الخارجية في تطبيع التعافي الشامل.

وتابع “في تقديري أيضاً أن أزمة الكهرباء المستفحلة في كل أنحاء البلاد تعتبر المحور الأساس التي تعوق العملية الإنتاجية، لا سيما أن هذا القطاع كان الأكثر تضرراً أثناء النزاع باستهداف بنيته التحتية، وفي ظل تهيئة الأوضاع نتيجة استجابة المواطنين في العودة لمناطقهم، فإن الدولة تركز على تغذية الأحياء السكنية وتتجاهل الكهرباء المخصصة للمصانع والمشاريع الزراعية التي تمثل طوق نجاة لإنعاش الميزان التجاري، ومحاصرة الفقر من التوسع”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع