مقالات

مبادرة عقار كمخرج اضطراري!!

أشرف عبد العزيز

تأتي التحركات الأخيرة لنائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، بطرحه مبادرة سياسية جديدة على القوى السياسية (بما في ذلك المنضوية تحت منصة “صمود” والكتلة الديمقراطية)، كخطوة تعكس بوضوح حجم الضغوط الخانقة التي تحيط بحكومة بورتسودان في الوقت الراهن.

هذه المبادرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، والواقع الاقتصادي المتردي الذي يهدد ببداية النهاية لسياسة النفس الطويل التي انتهجها المكون العسكري.

شكلت جلسة مجلس الأمن الدولي الأخيرة بشأن السودان نقطة تحول جوهرية، خاصة بعد الإفادات الصريحة للمبعوث الأمريكي مسعد بولس، التي وضعت مجلس السيادة في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي باعتباره الطرف المعرقل للهدنة.

ورغم محاولات مندوب السودان، الحارث إدريس، تبرير الموقف بالإشارة إلى رسائل متبادلة بين البرهان وبولس عبر “الواتساب” — وهو تبرير يعكس ضعف الموقف الدبلوماسي السطحي — فإن الرسالة الأعمق والأخطر جاءت من الموقف الإقليمي. إفادة بولس بأن مصر والسعودية، الحليفين الاستراتيجيين والتقليديين للجيش السوداني، لم يبديا أي اعتراض على مقترح الهدنة، نزعت الغطاء الإقليمي عن تعنت بورتسودان، وجعلت البرهان يدرك تمامًا أنه سيصبح معزولًا، وأن هوامش المناورة السابقة قد تتلاشى.

على الصعيد الدولي، يلقي المشهد السياسي الأمريكي بظلاله الكثيفة على الملف السوداني. ففي ظل المؤشرات التي تنبئ باحتمالية التوصل إلى تفاهمات أو اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى تبريد جبهات إقليمية، وتفرغ الإدارة الأمريكية، وتحديدًا الرئيس ترامب، للالتفات إلى أزمات أخرى، كالملف السوداني.

ترامب، الذي يواجه تحديات اقتصادية داخلية معقدة، يبحث دائمًا عن “إنجازات سريعة وبراقة” في السياسة الخارجية لتعزيز شعبيته وإضفاء بريق جديد على شخصيته القيادية أمام الناخب الأمريكي. هذا الاندفاع المتوقع للإدارة الأمريكية نحو فرض السلام في السودان لن يتوانى عن استخدام أدوات ضغط خشنة لا يقوى طرفا الحرب على تحملها.

داخليًا، لم يعد الاقتصاد السوداني يحتمل المزيد من الاستنزاف؛ فالبلاد تعيش حالة انهيار شامل وشلل تام في قطاعات الإنتاج، بينما يتم توجيه الشحيح المتبقي من الموارد المالية لصالح العمليات العسكرية والأنشطة المرتبطة بها.

والاستمرار في هذا المسار دون أفق للحل يعني الوصول قريبًا إلى نقطة العجز الكامل عن تسيير الدولة، وهو ما يشكل تهديدًا داخليًا لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية المباشرة.

في ظل هذا الانسداد (الدبلوماسي، والاقتصادي، والدولي)، تحرك مالك عقار لفتح قنوات اتصال مع القوى السياسية لطرح رؤية للحل، مستندة إلى خمس نقاط رئيسية.

ورغم أن التفاصيل الفنية للنقاط قد تتباين حولها الآراء، إلا أن القيمة الحقيقية للمبادرة تكمن في توقيتها ودلالتها:
حكومة بورتسودان تبحث بشكل جدي عن “مخرج سياسي” يقيها شر الصدام الحتمي مع المجتمع الدولي والانهيار الداخلي.

المحك الرئيسي والامتحان الحقيقي لهذه المبادرة، والذي تعكف القوى السياسية على دراسته حاليًا للرد عليه، يتلخص في نقطتين: الموقف من أطراف النزاع وعملية دمج الجيوش، والموقف الحاسم من تغلغل الإسلاميين في مفاصل قرار الحكومة.

إن مبادرة عقار تمثل اعترافًا ضمنيًا من داخل مجلس السيادة بأن الخيار العسكري الصرف قد وصل إلى سقفه، وأن التراجع من أجل الوطن — أو قراءة الواقع لحفظ ما يمكن حفظه — بات ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار تكتيكي.

المبادرة هي بالونات اختبار تبحث عن طوق نجاة، وستحدد ردود القوى السياسية، ومدى تنازل المكون العسكري عن تحالفاته الحالية، ما إذا كان هذا التحرك سيقود إلى انفراجة حقيقية، أم أنه مجرد مناورة جديدة لكسب الوقت في ربع الساعة الأخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع