في مؤتمره الشهير بعد عودته من جولته الخارجية الأخيرة قبل مدة، صرح رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع غير الشرعية المعينة من قبل الجنرالات الإنقلابيين، تصريحا خطيرا مر مرور الكرام بإعتبار أن القوى السياسية لا تعول على ما يقول بوصف حكومته لا سلطة فعلية لها وهي تعمل كواجهة وسكرتارية للجنرالات الإنقلابيين الذين يعملون كممثلين للتنظيم السياسي المختطف للجيش. ففي حديثه عن الديون الخارجية، صرح بأنه قد تحدث إلى الدول الدائنة – مع ملاحظة أنه لم يحددها – حول إعفاء الديون، وخلص إلى أن لديهم حلول ذكية تتمثل في الشراكة مع هذه الدول الدائنة بدلا من سداد الديون من ميزانية الدولة، وأنه قد ترك وزير ماليته للتفاوض حول هذا الأمر. وخطورة هذا التصريح تتضح من أن هذا التوجه يعني ما يلي؛-
١- أن الحكومة غير الشرعية التي ليس لديها الحق في التصرف في أصول الدولة المملوكة للشعب السوداني، فشلت في إقناع الدول التي تفاوضت معها – غير المحددة- باعفاء هذه الديون كما فعلت مع حكومة شبه المدنية الخاضعة للجنرالات السابقة المسماة بإنتقالية في غياب الإنتقال، والتي توسلت إلى ذلك بتسليم إقتصاد البلاد لصندوق النقد الدولي والقبول بروشتته الإستعمارية. وأن هذه الحكومة المعينة من قبل الجنرالات الإنقلابيين غير الشرعيين، قبلت بسداد المديونيات ليس نقدا كما ينبغي وكما هو منصوص عليه في إتفاقيات الديون، ولكن عبر تحويل حقوق الدائنين إلى إستثمارات تقوم على شراكة تتخذ شكل شركات تتملك فيها الدول الدائنة أسهم في مشاريع منتجة، دون تحديد طبيعة هذا الإنتاج وأسس الشراكة.
إن الدائنين لن يقوموا بضخ أموال جديدة بالحتم في هذه الشراكات لشراء الأسهم، فقيمة الأسهم مدفوعة مسبقا عبر القروض التي إبتلعتها الحركة الإسلامية المجرمة الحاكمة بالفعل عبر واجهاتها الماثلة وتقاسمتها عبر الفساد المؤسسي ولم يستفد منها المواطن شيئا. وحتى تكون هذه الأسهم ذات قيمة مقابلة لهذه القروض، يجب أن تتملك هذه الشراكات أصول حقيقة لها قيمة سوقية تعادل أصول الديون أو على الأقل تقرب منها، ليقبل الدائنون بشراكات فعلية ذات أصول قابلة لإنتاج أرباح تسدد بها فوائد هذه القروض أو خدمة الدين.
فالدائنون ليسوا أغبياء حتى يشتروا الهرم او برج إيفل، بل سيصرون على شراء أسهم لها قيمة فعلية لشركات لها أصول ذات قيمة، وهذا نوع من الشراكة يستلزم أن تتنازل الدولة عن أصول- نكرر أصول- للشراكة حتى تصبح ذات قيمة سوقية. والسؤال هو : عن أية أصول ترغب حكومة الأمر الواقع غير الشرعية في التنازل عنها تحت قناع الإستثمار المشترك ؟
في تقديرنا أنها ستتنازل عن أصول ريعية ذات مردود سريع وعائدات مضمونة كمربعات انتاج الذهب المضمونة والأرجح أنها ستطرد المعدنين المدنيين لفعل ذلك، كما لا يستبعد أن تتنازل عن أراض ومشاريع زراعية كبيرة كذلك.
من الواضح ان توجه حكومة الأمر الواقع غير الشرعية هو رغبتها في أن تستوفي الدول الدائنة مديونيتها من أرباح الحكومة لا من ميزانية الدولة. وهذا يعني أن الدول الدائنة سوف تمتلك أصولاً، مع كامل الأرباح التي تخص أسهمها وستكون الحصة الأكبر بالتأكيد، ثم تستولي على أرباح الحكومة غير الشرعية في مقابل سداد خدمة الدين وفوائده.
أي أن الدول الدائنة ستكون عمليا مالكة لأصول ولارباحها منها، ولارباح الحكومة غير الشرعية ايضاً، اي أنها من حيث الواقع مالكة للمشروع وأرباحه، وملكية الحكومة غير الشرعية لأسهم الأقلية ملكية شكلية بلا مردود أو عائد سوى خدمة الدين وتمليك الأصول للدائنين تحت دعاوى الشراكة.
أيضاً من المتوقع ان تتنازل الحكومة غير الشرعية عن الإدارة كاملة للدائنين، وأن يكون تمثيلها شكليا – إن وجد. فالدول الإستعمارية الدائنة التي تقوم علاقتها بالدول المدينة على خلق معادلة تقوم على عبودية الدين، التي تؤسّسها وتكرس لها عبر تقديم قروض تعلم جيدا ان آلية الفساد في الدول المدينة ستبتلعها وتمنع من رد اصل الدين عند حلول الأجل، مما يؤسّس لعبودية دين حقيقية، تفقد فيها الدول المدينة قدرتها التفاوضية تماما، وتخضع لارادة الدول الدائنة التي تفرض تصورها مقابل إعادة جدولة الدين واستمرار فوائده وخدمته أو سداده عبر صيغة تضمن لها السيطرة على موارد الدولة المدينة وأصولها. والآن تتبرع الحكومة غير الشرعية لها بتحقيق رغبتها في السيطرة على الأصول لتحقيق الأرباح، ولن يتم ذلك بصورة سلسلة إلا بالسيطرة على إدارة الشراكات وعدم تركها لإدارة محلية غير كفوءة او فاسدة. وهذا يعني ان الدائنين سوف يسيطرون سيطرة كاملة- نكرر كاملة- على هذه الشراكات المكرسة لعبودية الديون.
الراجح أن تصر الدول الدائنة على أن يكون حل وتصفية هذه الشراكات بيدها وحدها ، وأن تمنع الدولة من ممارسة حقها السيادي في التصفية والحل والتأميم، وان تضع تعويضات مهولة في مقابل ذلك، لاستمرارية الاستعباد شرط لاستيفاء فوائد الديون ومن ثم الاستمرار في نزح الفائض الاقتصادي بعد ذلك. إذ لن يكون في نيتها التنازل عن السيطرة على موارد بلادنا ، باعتبار ان الديون بالأصل قد قدمت للوصول إلى مرحلة السيطرة هذه. وقبل ذلك ستصر هذه الدول على حقها في تحويل كامل الأرباح إلى الخارج بالعملات الصعبة، وهذا يعني ان الخزينة العامة عليها توفير هذه العملات الصعبة لها لتحويل ارباحها. اي ان هناك اثر كبير على النقد الأجنبي المملوك للدولة وهو اثر لن يكون عابرا او بسيطاً، إذا علمنا ان الديون المعنية مقدرة بما يزيد على مائة مليار دولار.
ومفاد ما تقدم هو أن المزاعم حول شراكات استراتيجية وحلول ذكية، ما هي إلا غطاء لبيع أصول الدولة وتمكين الدول الدائنة الاستعمارية منها.
فحكومة الأمر الواقع تفاوض من مواقع ضعف واضح ودون أي قوة تفاوضية. فهي حكومة غير شرعية غير معترف بها داخليا وخارجيا، وهي سلطة غير قادرة على فرض سلطتها، تخوض حربا طاحنة تتآكل مصادر تمويلها الداخلية والخارجية يوما بعد يوم. فالإقتصاد الموازي الذي تسيطر عليه الحركة الإسلامية المجرمة التي أشعلت الحرب للحفاظ على التمكين لم يعد كافيا لتمويل الحرب، فهو من ناحية يعاني من ضعف الإنتاج المتطفل عليه ويعتمد بشكل رئيسي على تهريب الذهب وريعه، ومن ناحية اخرى يعاني من جشع الفاسدين المستفيدين من الحرب، ومن ناحية ثالثة يعاني من ضعف الجبايات لإنهيار الوعاء الضريبي وتراجع التحصيل الجمركي برغم المبالغة في قيمة الجبايات.يضاف إلى ذلك التضييق الذي تفرضه الرباعية والخماسية على التمويل الخارجي للحرب، مما ترك السلطة غير الشرعية في حاجة ملحة للخضوع للدائنين وبيع أصول الدولة لهم مقابل الديون وبيع مستقبل الأجيال القادمة بالتبعية للاستمرار في تمويل حربها اللعينة دون انشغال بالدين الخارجي، ورفع ضغوط الدول الدول الدائنة السياسية، ودفعها لتعويم السلطة غير الشرعية وتهبيطها هبوطا ناعما أصبح حلما بعيد المنال بسبب الحرب اللعينة.
فحكومة بدون قوة وقدرات تفاوضية وبدون شرعية، لا سبيل أمامها سوى تمليك الأصول للدولة الدائنة، وتمكينها من السيطرة على الإدارة، وتملكها كامل الأرباح وتحويلها إلى الخارج كعملات صعبة تثقل كاهل البلاد، وتسمح لها بالسيطرة على مصائر الشركات من حيث الحل والتصفية ومنع التأميم وفرض التعويضات، كما تمكنها من السيطرة على مستقبل قطاعات إستراتيجية هامة على حساب أجيال قادمة. فهي تدخل المفاوضات لبيع مستقبل الوطن مقابل البقاء كسلطة، فوق تدميرها للبلاد عبر هذه الحرب المفتعلة من أجل التمكين.
وبرغم كل ذلك نسمع أصوات تدعو للدخول في تسوية معها تحت دعاوى العقلانية وضرورة إيقاف الحرب بأي ثمن.
والمطلوب من الآن هو رفض أي شراكة تقوم على بيع الأصول بدعاوى الشراكة، وتمكن الدول الدائنة من السيطرة على الإدارة، ونزع الفائض الإقتصادي في شكل أرباح بالعملات الصعبة، والسيطرة على استمرارية الشراكة من عدمها، في انتهاك واضح وصارخ لسيادة الدولة ومصادرة لمستقبلها، والتأكيد للدول الدائنة ان الحكومة الشرعية القادمة، لن تعترف بمثل هذه الشراكات ، وسوف تتخذ الإجراءات القانونية والتشريعية اللازمة لإبطالها، لأنها اتفاقياتها مبرمة من حكومة غير شرعية وليست ذات صفة، تعلم هذه الدول انفسها عدم شرعيتها وتنادي بذهابها وتسليمها السلطة لحكومة مدنية.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!