مقالات

ارتهان الخماسية!!

أشرف عبدالعزيز

تتكشف مجددًا هشاشة الرؤى الإقليمية والدولية في التعاطي مع الأزمة السودانية المحتدمة، حيث يبرز موقف التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” وقوى إعلان المبادئ، برفض دعوة الآلية الخماسية للاجتماعات التشاورية في أديس أبابا، كجرس إنذار يكشف حجم الاختلال الذي يعتري النهج الإقليمي والدولي المتّبع.

إن هذا الرفض لا يعبر عن مجرد احتجاب سياسي أو استنكاف عن المشاركة في الحوار، بل يمثل تشخيصًا دقيقًا لخلل بنيوي صريح في أداء الآلية الخماسية، التي باتت تسلك مسارات تفاقم الأزمة بدلًا من تفكيكها.

وتظهر الأزمة الجوهرية في إصرار هذه الآلية المتشابكة على احتكار تصميم العملية السياسية وهندستها بصورة أحادية، معزولة عن التطلعات الحقيقية للقوى الحيّة التي قادت التغيير، مما يحول الوساطات المفترضة من أداة لتسهيل الحوار إلى وصاية سياسية تجبر الأطراف الوطنية على التكيف مع تصورات مصنوعة في الغرف المغلقة.

ويتجاوز الخلل في منهجية الخماسية مجرد الإقصاء الإجرائي، ليرتقي إلى مستوى المخاطرة بالاستقرار المستقبلي للبلاد، وذلك من خلال المساعي الحثيثة لتفكيك مكتسبات الثورة الشعبية عبر التمهيد لإعادة تدوير عناصر النظام البائد والواجهات السياسية الداعمة للاستبداد والحرب.

إن المحاولات الدؤوبة لمنح المكونات المرتبطة بنظام المؤتمر الوطني وواجهات السلطة العسكرية مساحات لتوجيه المشهد السياسي تعكس حالة من العمى السياسي والهروب إلى الأمام، إذ ينطوي هذا الاتجاه على تساهل خطير مع القوى التي تسببت في إشعال الصراع وتغذية النزاع المسلح.

إن المراهنة على مساومة القوى الأيديولوجية والاستبدادية لإحداث تسوية شكلية لن تؤدي سوى إلى إعطاء مشروعية سياسية للانقلابات، وتثبيت واقع الحرب كأداة للفرض السياسي، وهو ما ينسف أسس السلام المستدام ويفرغ أي عملية تفاوضية من مضمونها الأخلاقي والوطني.

وتكتمل صورة التراجع في أداء الآلية الخماسية عند فحص أدوار بعض أطرافها الإقليمية، لا سيما داخل الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، حيث يبدو أن بعض المنظومات قد فقدت بوصلة الحياد المفترض في الوسيط الدولي.

إن تخلي هذه الأطراف عن الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، وخضوعها لتأثيرات إقليمية تحاول فرض أجندات تشرعن الأمر الواقع العسكري، قد حوّل العملية التفاوضية إلى ساحة لتوازنات النفوذ، بدلًا من كونها منصة لإحياء التحول الديمقراطي.

إن الاستمرار في هذا المسار المحفوف بالانحيازات والترقيع السياسي سيظل ينتج حلولًا مأزومة لا تحظى بالقبول الشعبي، ولن يؤدي إلا إلى استطالة أمد المواجهة، مما يتطلب مراجعة جذرية ومسؤولة لعمل هذه الآلية، تجعل من الإرادة الوطنية ومطالب الاستقرار والعدالة الحجر الأساس لأي مسار سياسي قادم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع