استمعت إلى تصريحات الفريق أول ياسر العطا التي تبرأ فيها من العلاقة بالمؤتمر الوطني -أو الفلول على حد تعبيره- والتي جاءت بالتزامن مع تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان التي قال فيها إن الحوار الذي يدعو له لا يشمل المؤتمر الوطني أو الدعم السريع.
يبدو أن هذه هي “العدة الجديدة” لبعض قادة القوات المسلحة، رغم أنهم كانوا شركاء أساسيين في تمكين “الفلول” الذين يسعون للتبرؤ منهم الآن، عبر انقلاب 25 أكتوبر، ثم حرب 15 أبريل.
هذا التبرؤ ليس مستغرباً، فالحركة الإسلامية عبء سياسي كبير لا يرغب أي طامح في السلطة بأن يثقل كاهله به، فهي معزولة داخلياً وأسقطتها ثورة شعبية شارك فيها غالب أهل السودان، وهي ملفوظة خارجياً وتحاصرها العقوبات والإدراج في قوائم الإرهاب.
لذا يسعى بعض الجنرالات ذوي الطموحات السلطوية إلى التنصل من علاقتهم بها الآن، تمهيداً لحصد ثمار السلطة.
هذا التكتيك ليس جديداً، فقد جربه البشير من قبل، وسار البرهان في ذات الطريق.
ولا أظن بأنه سينطلي على أحد، فالمشكلة ليست في الشعارات، بل في طبيعة السلطة نفسها.
فالحكم العسكري هو البوابة الوحيدة التي تمكن الحركة الإسلامية من اختطاف الدولة، بحكم نفوذها داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعجزها عن الوصول إلى السلطة عبر المنافسة الديمقراطية.
لذلك، فإن القضية ليست إعلان القطيعة مع المؤتمر الوطني عبر الخطب والكلمات، وإنما إنهاء البيئة التي تسمح له بالعودة.
وأي مشروع يبقي على الحكم العسكري، مهما بدّل شعاراته أو وجوهه، سيعيد إنتاج الأزمة نفسها.
والطريق الوحيد لإغلاق الباب نهائياً أمام اختطاف الدولة هو وقف الحرب والانتقال المدني الديمقراطي، الذي يمكن الشعب السوداني من تحديد خياراته دون إكراه، وينهي دوامة العنف التي دمرت ماضي البلاد وحاضرها.