تقارير

حين يتعثّر المال .. التحويلات تعيد تشكيل اقتصاد الأسر السودانية في مصر

القاهرة - مشاوير : تقرير/ راما عبد الله

يصل المال إلى الأسر السودانية في مصر من بلاد الاغتراب أو من السودان، عبر قنوات تتداخل فيها إجراءات التحويل وفروق أسعار الصرف، فيما أصبح (بنكك) من أكثر الوسائل استخداماً في التحويل والاستلام. لكن الإيجار لا ينتظر، ولا مصروفات المدرسة، ولا فاتورة الغاز. وبين المبلغ الذي يُرسل من عاصمة خليجية أو أوروبية أو من مدينة سودانية، وما يصل فعلياً إلى الأسرة في القاهرة أو الجيزة، تتسع فجوة تعيد ترتيب ميزانيتها من شهر إلى آخر. وهنا لا تبدو المشكلة في غلاء الأسعار وحده، بقدر ما تكمن في صعوبة التحويل وقيمة ما يصل منه؛ وهي فجوة باتت تشكل جانباً أساسياً من أزمة المعيشة لدى أعداد كبيرة من السودانيين في مصر.

أزمة أكبر من “غلاء المعيشة”

للوهلة الأولى، يبدو السؤال بسيطاً: كم تنفق الأسرة السودانية في مصر شهرياً؟ لكن الأزمة لا تكمن في حجم الإنفاق وحده، بل في الطريق الذي يقطعه المال قبل أن يصل إلى الأسرة: دخل بالجنيه السوداني، وسعر صرف متقلّب، وتكلفة أو خسارة في التحويل، ثم جنيه مصري تتراجع قدرته على تغطية نفقات لا تنتظر.

لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: “هل الحياة في مصر غالية؟”، بل: هل المشكلة في ارتفاع الأسعار المصرية، أم في تراجع القدرة الشرائية للجنيه السوداني؟ فبعض السلع والخدمات في مصر تبدو أكثر استقراراً نسبياً، لكن أي تذبذب في سعر الصرف أو تعقيد في التحويل يرفع التكلفة الفعلية للمعيشة على الأسرة السودانية، حتى عندما لا تتغير الأسعار المصرية.

سعر التحويل .. الضغط

وتكشف أسعار التحويل المتداولة عبر التطبيقات حجم الضغوط التي تواجه حركة الأموال بين مصر والسودان. ففي 17 أغسطس 2026، بلغ سعر تحويل الجنيه المصري عبر (بنكك) و(فودافون كاش) نحو 120 جنيهاً سودانياً للجنيه الواحد للتحويلات التي تتجاوز 10 آلاف جنيه مصري، قبل أن يرتفع إلى نحو 124.3 جنيهاً في 26 و27 أغسطس، واستقر عند المستوى نفسه في 28 أغسطس للمبالغ التي تتجاوز 10 آلاف جنيه مصري.

وتعكس هذه التحركات، التي تتغير وفق العرض والطلب وحجم التحويل، الضغوط المستمرة على حركة الأموال وتذبذب سوق الصرف. ولا تعني هذه الأرقام أن كلفة المعيشة في مصر ارتفعت بالنسبة نفسها، لكنها تعني أن الأسرة السودانية التي تعتمد على تحويل الأموال تواجه تكلفة متغيرة للحصول على الجنيه المصري.

ومع تراجع قيمة الجنيه السوداني، تحتاج الأسرة إلى تحويل مبلغ أكبر لتأمين المبلغ نفسه بالجنيه المصري. وبذلك تحسب دخلها بالجنيه السوداني، ثم تحوّله إلى الجنيه المصري لتغطية الإيجار والطعام والتعليم والخدمات.

ثلاثة خيارات .. وثلاثة مخاطر

أمام الأسرة السودانية في مصر خيارات متعددة لتحويل الأموال، لكل منها كلفته ومخاطره:

التحويل عبر البنوك: الخيار الأكثر أماناً وشرعية، لكنه قد يكون أقل جاذبية عندما يكون سعر الصرف الرسمي أقل من الأسعار المتداولة خارج القنوات الرسمية، إضافة إلى الإجراءات التي قد تستغرق وقتاً أطول.

شركات التحويل: أسرع في بعض الحالات، لكنها تفرض عمولات تقتطع جزءاً من قيمة المبلغ المحوّل.

القنوات غير الرسمية والتطبيقات والمحافظ الإلكترونية: قد توفر سعراً أقرب إلى السعر المتداول في السوق، وهو ما يفسّر اتساع الاعتماد عليها، لكنها تنطوي على مخاطر تتعلق بالثقة والضمانات القانونية.

وهذا التفاوت بين القنوات يجعل الأسرة مضطرة إلى حساب الفارق بين السعر والعمولة وسرعة الوصول، بحثاً عن أقل خسارة ممكنة في قيمة المال.

الإيجار .. البند الأكبر

يمثّل الإيجار العبء الأكبر على ميزانية كثير من الأسر السودانية في مصر، خصوصاً في المناطق التي تشهد كثافة سكانية سودانية مثل فيصل وأرض اللواء والهرم و6 أكتوبر. ويضاف إلى قيمة الإيجار الشهري، عند بداية العقد، تأمين قد يعادل شهرين مقدماً وعمولة للسمسار، وهو ما يشكل ضغطاً مالياً مضاعفاً على الأسرة.

وقد شهدت هذه المناطق، منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ارتفاعاً في الطلب على السكن مع وصول أعداد كبيرة من السودانيين، وهو ما انعكس على أسعار الإيجارات في بعض المناطق. وسجّلت بعض الوحدات في مناطق مثل فيصل مستويات مرتفعة خلال فترات ذروة الطلب، لكن الأسعار تختلف بصورة كبيرة بحسب الموقع ومساحة الوحدة وحالتها وما إذا كانت مفروشة أو غير مفروشة.

لاحقاً، ومع بدء موجات العودة إلى السودان، ظهرت مؤشرات على مرونة نسبية في سوق الإيجارات ببعض المناطق، لكن من المبكر اعتبار ذلك اتجاهاً عاماً أو دائماً، في ظل استمرار وجود أعداد كبيرة من السودانيين في مصر واستمرار الطلب من شرائح مصرية أخرى.

طبقات مختلفة .. والمعادلة واحدة

تكشف حسابات أُعدّت لميزانيات أسر سودانية مقيمة في مصر تفاوتاً واضحاً بين الشرائح الاجتماعية، لكنها تلتقي عند معضلة واحدة: ضرورة تأمين مبلغ كافٍ بالجنيه المصري شهرياً، في وقت تتأثر فيه قيمة الدخل المحوّل بتقلب سعر الصرف وتكاليف التحويل.

وبحسب هذه الحسابات، قد تحتاج الأسرة محدودة الدخل، المكوّنة من أربعة أفراد، إلى نحو 12 ألف جنيه مصري شهرياً لتغطية الإيجار والخدمات الأساسية والطعام البسيط والمواصلات وبعض النفقات التعليمية والصحية.

أما الأسرة متوسطة الدخل، فقد تقترب ميزانيتها من 28 ألف جنيه مصري، مع ارتفاع بنود السكن والتعليم والطعام. فيما ترتفع الميزانية بصورة أكبر لدى الأسر الأعلى دخلاً، وقد يتراوح إيجار السكن لديها بين 25 و45 ألف جنيه مصري، بحسب المنطقة ومستوى السكن.

وتظل هذه الأرقام نماذج تقديرية لميزانيات أسر، وليست متوسطات رسمية للسودانيين في مصر، إذ تختلف تكلفة المعيشة بحسب المنطقة وحجم الأسرة ومستوى الدخل ونمط الإنفاق.

مصر .. أكبر تجمع سوداني

يضع الحجم البشري لهذه الأزمة أبعادها الحقيقية. ووفق أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد السودانيين المسجلين لديها في مصر 851,947 شخصاً في 30 يونيو 2026، وهم يمثلون أكبر مجموعة بين اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في البلاد.

وهذا الرقم لا يمثّل جميع السودانيين المقيمين في مصر، وإنما المسجّلين لدى المفوضية، فيما تشير تقديرات أخرى إلى وجود أعداد أكبر من السودانيين المقيمين في البلاد، ما يجعل حركة التحويلات والقدرة على تأمين السكن والمعيشة قضية ذات أثر يتجاوز الأسر إلى الاقتصاد المحلي ومجتمعات الاستضافة.

وفي المقابل، ومع تحسّن نسبي في الأوضاع الأمنية ببعض المناطق السودانية، استمرت حركة العبور والعودة إلى السودان. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، سُجّل عبور نحو 954 ألف شخص إلى السودان من دول الجوار بين يناير 2024 ويونيو 2026، كان 81% منهم قادمين من مصر، فيما ذكر نحو 52% أن تحسّن الوضع الأمني في مناطقهم الأصلية كان أحد أسباب العودة. وتوضّح بيانات المنظمة أن أرقام العبور لا تعني بالضرورة أن جميع هؤلاء عادوا عودة نهائية.

وقد تخّفف هذه الحركة، إذا استمرت، الضغط السكاني على بعض المناطق المصرية، لكن من المبكّر ربطها وحدها بأي تراجع مستدام في الإيجارات أو تكاليف المعيشة.

أزمة تحويل.. لا أزمة أسعار

بالنسبة للأسرة السودانية في مصر، لم تعد أزمة المعيشة مرتبطة بسعر السلعة في السوق وحده؛ فقبل أن تصل الأسرة إلى محل البقالة أو تسدد إيجار الشهر، عليها أن تواجه سؤالاً آخر: كيف تحوّل ما تملكه بالجنيه السوداني إلى جنيه مصري يكفيها حتى نهاية الشهر؟

في هذه المعادلة، يصبح سعر الصرف وقناة التحويل جزءاً من تكلفة المعيشة نفسها. فالمبلغ الذي يغادر (بنكك) أو يصل من الخارج لا يصل دائماً بالقيمة التي تحتاجها الأسرة، بينما تظل الالتزامات ثابتة في موعدها.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، تبدو أزمة المعيشة بالنسبة إلى الأسرة السودانية في مصر مرتبطة بعاملين متداخلين: تكلفة الحياة من جهة، وقيمة المال الذي يصل إلى الأسرة من جهة أخرى.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن أزمة التحويلات أصبحت أحد العوامل الأساسية في تشكيل تكلفة المعيشة للأسرة السودانية في مصر، إلى جانب الإيجار والغذاء والتعليم والخدمات. فكل فرق في رحلة المال من مصدره إلى الأسرة ينعكس في النهاية على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع