تقارير

السودان يستدعي إرث التعاونيات لمواجهة الغلاء والفقر

مشاوير - تقرير : إشراقة علي عبد الله

في وقت تتسع دائرة الفقر في السودان وتتضاءل قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية بسبب الحرب المستمرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لنحو 40 شهراً، يرى اقتصاديون أن عودة الجمعيات التعاونية قد تشكل بارقة أمل محتملة لدرء الفقر ومحاربة تجار الأزمات في ظل ظروف اقتصادية وأمنية بالغة التعقيد تفاقمت مع اتساع رقعة النزاع الدائر في البلاد.

وعلى رغم التجربة الطويلة التي شهدها السودان في العمل التعاوني، سواء في القطاعات الحكومية أو الخاصة أو الأحياء السكنية باعتبارها إحدى آليات الحماية الاقتصادية والاجتماعية وأداة لتنظيم موارد المواطنين المحدودة في حصولهم على السلع والخدمات، فإن مراقبين يعتقدون أن هذه التجربة قد تكون مثقلة بالأزمات في بلد أنهكته الحرب مع تراجع مؤسسات الدولة واقتصاد يعاني الانهيار.

إرث تاريخي

تعود جذور الحركة التعاونية في السودان إلى أواخر عشرينيات القرن الماضي، حين ظهرت جمعيات التسليف الزراعي في دلتا طوكر شرق البلاد. وفي عام 1937 تأسست أول جمعية تعاونية شعبية تحت اسم “الشركة التعاونية”، بينما جاء الإطار القانوني للحركة عام 1948، حين قدمت مذكرة لحكومة الاحتلال البريطاني أفضت إلى صدور أول قانون للتعاون عام 1952.

وعلى رغم تقلبات الأنظمة الحاكمة، فإنه خلال فترة حكم الرئيس جعفر نميري في سبعينيات القرن الماضي شهدت التعاونيات ازدهاراً بارزاً وقفزة كبرى، إذ تضاعف عددها حتى بلغ حوالى 10 آلاف منظمة في 2007، مما أسهم في رفع مستوى المعيشة وتحقيق الأمان الاجتماعي لفئات المجتمع السوداني كافة.

يقول فضل الله الريح، وهو مزارع في ولاية نهر النيل “من المعلوم أن المواسم الزراعية في ولايات السودان فشلت فشلاً ذريعاً بسبب عقبات أدت إلى خسائر طائلة نتيجة الحرب المستعرة في السودان، مما يتطلب بناء النسيج الاجتماعي الذي مزقه الصراع، لا سيما أن الأمر، في ظل نقص التمويل المصرفي من الجهات المعنية ونهب المعدات الزراعية والمخازن، يستدعي إعادة الجمعيات التعاونية التي تسهم في الإصلاح الزراعي، وبخاصة أنها فقدت تاريخها العريق بسبب التدخلات السياسية والاجتماعية وضعف الوعي التعاوني”.

وأضاف الريح “النزاع الدائر كان أحد أبرز أسباب شلل الجمعيات التعاونية نتيجة للنزوح وتدمير مؤسسات الدولة، إذ كانت تشهد حراكاً نشطاً كمبادرات مجتمعية حتى لا يتعطل العمل في المشاريع الزراعية وخصوصاً لدى صغار المزارعين، لكن الحرب أضعفت دورها مع فقدان رأس المال”.

وتابع “التعاونيات غير الرسمية وسط المزارعين في مناطق الريف السوداني، ومن بينها الشمالية، نشأت منذ عام 1921، وهي فترة سبقت صدور أول قانون للتعاون في السودان، مما يؤكد أنها ذات إرث تاريخي شكل مورداً ثابتاً للمزارعين، قبل أن تبدأ مرحلة التشريع والتأسيس وصدور قانون للتعاون عام 1984، وحتى أواخر الستينيات توسعت التعاونيات الزراعية والاستهلاكية وشهدت طفرة كبرى”.

وأشار المزارع إلى أنه “إزاء الأوضاع المعيشية المتدهورة هناك مطالبات بعودة الجمعيات التعاونية إلى سابق عهدها، لكنها أمام اختبار جديد بعدما ضربت الحرب مناطق الإنتاج والأسواق وطرق النقل وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، علاوة على تأثيرها المباشر على الاقتصاد والمجتمع، وبالفعل باتت الحاجة ماسة لأداة تخفف حدة المعاناة، ليس وسط المزارعين وحسب، بل لدى شرائح المجتمع كافة الذين أفقرتهم الحرب”.

ولفت إلى أن “جمع مورد محدد كما كان في السابق قد يمنح العمل التعاوني ميزة، وبخاصة في المناطق المتضررة، فبدلاً من أن يعمل المزارع بمفرده يمكن لمجموعة من الأعضاء تقاسم كلف الإنتاج والشراء والتخزين والتسويق”.

معاناة وحماية

يرى جبريل، آدم الموظف في قطاع السكة الحديد، أن “الهدف الأساس من فكرة الجمعيات التعاونية خدمة أعضائها سواء كانت استهلاكية أو تمويلية حين تجتمع مواردهم لتلبية احتياجات مشتركة، لجهة أنها تقلل من الاعتماد على السوق بصورة فردية”.

وبين أن “مثل هذا النوع من الخدمات التكافلية التي كانت تنتظم على أوسع نطاق قبل اندلاع الحرب دعم الاستقرار الأسري، ولم يخلُ بيت للموظفين والعاملين في القطاعات الحكومية والخاصة من المواد الاستهلاكية، إذ كنا نتسلمها شهرياً وتشمل كل متطلبات البقاء، وكانت تساعد بشكل كبير في مواجهة الأزمات الاقتصادية”.

وأوضح آدم أن “الواقع المعيشي الحالي ألقى بثقله على المواطنين وتركهم على حافة المجاعة، وأصبح ملايين الأشخاص يعانون الجوع لأن الغالبية يعيشون بلا مصادر للدخل مع موجات ارتفاع الأسعار اليومية وجشع التجار”.

ونوه الموظف في قطاع السكك الحديد إلى أن “الجمعيات التعاونية تفتح المجال للمشاركة أمام مختلف فئات المجتمع، بما فيها النساء والشباب والحرفيون والأشخاص ذوو الإعاقة وأصحاب الدخول المحدودة، لا سيما أن كثيراً من الدول تعتبر القطاع التعاوني ثالث قطاع بعد القطاعين العام والخاص، باعتباره بناء اقتصادياً اجتماعياً يقوم على أساس مبادئ التعاون بواسطة مجموعة من الأشخاص لديهم القدرة على التطوع والتبرع بوقتهم للعمل بسبب إيمانهم بالنتيجة الكامنة في العمل التعاوني”.

في السياق، تقول الناشطة والمهتمة بالقضايا المجتمعية إسراء السر، إن “الحرب في السودان أسهمت في تفشي الفقر وسط المواطنين، لذلك برزت الحاجة إلى نظم الحماية المجتمعية، سواء في القطاعات المختلفة أو الأحياء السكنية، كوسيلة لتخفيف حدة المعاناة المعيشية”.

وأردفت السر “التعاونيات كانت تعاني ضعفاً هيكلياً نتيجة لسنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية، وعلى رغم ذلك كانت هناك جهود مبذولة لتنفيذ برامج الأمان الاجتماعي التي تشمل الدعم النقدي وبرامج السلع الاستهلاكية، فإن تراجع مؤسسات الدولة جعل هذه البرامج محدودة وغير قادرة على الإستجابة للاحتياجات المتزايدة مع تصاعد وتيرة النزاع، مما أدى إلى فقدان أنظمة الحماية، وتحول دورها إلى غرف طوارئ والاعتماد على المساعدات الإنسانية الخارجية”.

ومضت الناشطة والمهتمة بالقضايا المجتمعية قائلة “المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني لعبت دوراً محورياً في سد الفجوة، حيث قامت بتوفير الدعم المالي والإغاثة الغذائية والخدمات الصحية للمحتاجين، ومع تطبيع الحياة عقب عودة المواطنين إلى مناطقهم، بمن فيهم موظفو الدولة، تزداد المطالبات باسترجاع نشاط التعاونيات إلى سيرتها الأولى لتلبية احتياجات الأسر في ظل التضخم وارتفاع الأسعار وانهيار العملة المحلية”.

على الصعيد نفسه، أشار الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة، إلى أنه “في سياق الحرب لا تزال التداعيات الاقتصادية تشكل عبئاً متزايداً على كاهل المواطنين، وبخاصة في ما يتعلق بتصاعد أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات الأساسية، مما يستدعي تفعيل الجمعيات التعاونية التي تسهم في حماية الفئات التي تعاني هشاشة اقتصادية من تقلبات الأسواق”.

وأوضح جمعة “بالفعل الجمعيات التعاونية تكفل الاستقرار وتخفف الأزمة المعيشية الخانقة التي تتفاقم بسبب الصراع المستمر، عبر شراء المتطلبات الأساسية بسعر المصنع من دون تدخل التجار والسماسرة والوسطاء لمجابهة فوضى الأسعار وجشع التجار وانهيار الجنيه السوداني”.

واستطرد “الحركة التعاونية شكلت قفزات كبرى وتوسعت في القطاعات الحكومية والخاصة حتى بلغت حوالى 9 آلاف منظمة عام 2007، تسهم في رفع مستوى المعيشة، إلا أنها فقدت تاريخها بسبب التدخلات السياسية وضعف الوعي التعاوني”.

ونبه الباحث الاقتصادي إلى أنه “لتجاوز العقبات تحتاج الحركة التعاونية إلى الدعم الحكومي وبناء البنية التحتية وتعزيز القدرات المؤسسية والتنظيمية، وبهذا يمكن أن تستعيد دورها في تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لأعضائها والإسهام في التعافي الاقتصادي”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع