
عند مطلع مساء يوم الثلاثاء كان سكان مدينة كوستي جنوبي السودان يفعلون ما اعتادوا عليه ويقومون بتصريف مياه الأمطار التي هطلت بغزارة على المدينة ويمارسون فضيلة الاطمئنان على بعضهم من آثار الأمطار .
لكن سرعان ما تركت السحب مكانها في سماء المدينة لاضواء الخوف المنبعثة من أصوات المضادات الأرضية لقوات الجيش وهي تتصدى لمسيرات لم يحدد حتى كتابة هذا التقرير مصدرها ونقطة انطلاقها .
أثارت أصوات المضادات الأرضية مقرونة بانفجارات المسيرات حالة من الرعب وسط الأهالي وهم يتتبعون اسراب الطيور في رحلة هروبها مثيرة المزيد من الهلع في اوساط سكان المدينة وهم يقلبون في رؤوسهم سؤال المغادرة لكن إلى أين ؟
قالت الأجهزة الأمنية والفرقة 18 بكوستي انها تصدت للمسيرات الانتحارية والتي بدأ مسلسل تتابع سقوطها على ولاية النيل الأبيض انطلاقاً من مدن كنانة وعسلاية و استهدفت معسكرات مستنفرين في مدينة ربك ، وتسببت مسيرة يوم الثلاثاء في مقتل المقدم أمن فوزي سليمان اثناء استهداف مبني عسكري وهو مقر جهاز المخابرات العامة في المدينة الكائن قرب المستشفى.. كما ان مسيرة سقطت داخل مبنى كلية الهندسة جامعة الإمام المهدي القريب من مبنى المخابرات وأحدثت خسائر في المبنى .
بدأ سؤال من أين تنهمر نيران المسيرات على كوستي ومدن النيل الأبيض مؤجلاً لصالح سؤال آخر مفاده ” إلى أين يذهب الناس في حال وصلتهم الحرب ؟” خصوصاً وأن كل الطرق مغلقة، كما أن خارطة النزاع تخبرهم بقرب وجود قوات الدعم السريع من الولاية شرقاً وغرباً وتحتل قوات الدعم السريع جزءاً من المناطق الشمالية بالولاية مدينة القطينة . ما جعل الإجابة الحاضرة على ألسنة الناس هناك : “نحن ها هنا باقون ” .
في صبيحة ما بعد ليلة المسيرات الطويلة بدت الحياة طبيعية في المدينة في أسواقها وفي مكاتب الدولة الرسمية وفي مقاهيها التي لم تغب عنها بالطبع النقاشات حول ما حدث بالأمس والمخاوف من القادم لكن دون ان يغيب جدلهم حول المستقبل و الحرب وتداعياتها ..لكن استعادت كوستي هدوءها وضجيج الحياة اليوماتي فيها وعاد أهلها وضيوفها لممارسة انشطتهم الاعتيادية وممارسة الاحتجاج على زيادات أسعار السلع منذ اغلاق طريق سنار واقتحام الدعم السريع لمدن سنجة والدندر والسوكي . وأن بقي عندهم سؤال هل سيعود ليل المدينة لهدوئه في زمان ما بعد اعلان حالة الطوارئ الا من حركة الناس في وسط الأحياء أم ان حملات التفتيش التي شهدتها شوارع المدينة ومواصلاتها العامة ستبشرهم بمزيد من التضييق؟
يردد أحدهم السؤال قبل ان يتناول رشفة أخرى من فنجان قهوته عند قهوة حامد أحد أشهر المقاهي في المدينة مرددا عبارة “الكوستاب” كوستي بلدة آمنة ورب غفور ستظل آمنة ولن يصيبها شر الحرب . المسيرات أخف شرا من الاقتحام.. ويكمل مقاومة الحرب تبدأ بنقطة مقاومة الهلع الذي صنعته المسيرات ولا يزال أثره باقياً في شوارع المدينة التي تضج بحركة الناس وابتساماتهم ..



