أي عدالة هذه التي ترفع سيوفها على من بقي ليحمي أهله، وتخفضها أمام من تلاحقهم اتهامات جسيمة؟ أي ميزان هذا الذي يختل حتى يصبح البقاء مع الناس تهمة، والانسحاب من واجب الحماية طريقا للنجاة؟
في لحظة سودانية مشبعة بالفوضى والدم، يصدر حكم بالإعدام بحق الناظر مأمون إدريس هباني، بينما تُفتح الأبواب وتُمد الأيادي لاستقبال قيادات من قوات الدعم السريع، تحيط بها اتهامات خطيرة تتعلق بانتهاكات جسيمة. هذه ليست مفارقة عابرة، بل عنوان صارخ لانهيار المعايير وانزلاق البلاد نحو قانون الغاب.
فمن يُحاكم؟ هل يُحاكم من وقف حين انسحب الجيش وترك شعبه يواجه مصيره، فاختار أن يبقى بين أهله يحميهم بما استطاع؟ أم يُحاسَب أولئك الذين تنقلوا بين الجبهات، وبدّلوا مواقعهم، وعادوا محمّلين بظلال الاتهامات الثقيلة والانتهاكات؟ أي منطق هذا الذي يقلب الموازين، فيُجرّم الثبات ويُغض الطرف عن التنقل بين ساحات النار؟ أي عدالة هذه التي تلاحق من بقي، وتتساهل مع من عاد؟
حين يُحاكم من دافع عن مجتمعه، ويُحتفى – سياسيا أو عمليا – بمن تُثار حولهم شبهات خطيرة، فإن الرسالة التي تصل للناس واضحة وخطيرة: لا معيار إلا القوة، ولا مرجعية إلا موازين اللحظة. هنا لا تعود العدالة عدالة، بل أداة.
لا يمكن لأي حكم، خاصة إذا كان بالإعدام، أن يكتسب شرعية في بيئة تغيب فيها الضمانات الأساسية: استقلال القضاء، حق الدفاع، وشفافية الإجراءات. وفي ظل حرب تمزق مؤسسات الدولة، يصبح كل حكم محاطا بالشك، ومهددا بأن يكون امتدادا للصراع لا حكما عليه.
المفارقة الأكثر إيلاما أن من اختار البقاء وسط مجتمعه، محاولا حمايته واحتواء الفوضى، يجد نفسه في قفص الاتهام، بينما من انسحب وترك فراغا ملأته الفوضى قد يجد طريقا إلى التسويات أو إعادة التموضع. هذا ليس فقط ظلما، بل تشجيع صريح على التخلي، ورسالة بأن المسؤولية عبء يجب الفرار منه.
الناظر مأمون إدريس هباني ليس اسما عاديا، بل جزء من منظومة اجتماعية ظلت، لعقود، صمام أمان في أوقات الأزمات. استهداف هذه الرموز لا يضعف الأفراد فحسب، بل يضرب النسيج الأهلي في عمقه، ويفتح الباب أمام فراغ خطير لا تملؤه إلا الفوضى.
رجل مسن تجاوز السبعين، يُحاكم في ظروف استثنائية دون ضمانات كافية، ويواجه عقوبة لا رجعة فيها. أي منطق قانوني أو إنساني يمكن أن يبرر ذلك؟
هذه صرخة إلى الحقوقيين السودانيين، القضاة، المحامين، أساتذة القانون، شرفاء الشعب السوداني، وقادة الإدارة الأهلية، وإلى المنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، للتحرك الفوري من أجل إيقاف تنفيذ حكم الإعدام، وإخضاع القضية لمراجعة قضائية مستقلة وشفافة، وضمان كامل لحقوق الدفاع والإجراءات العادلة، وحماية الناظر مأمون إدريس هباني.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خطأ قضائي، بل انحدار خطير نحو شريعة القوة. وحين تُدار العدالة بمنطق الغاب، فإن الجميع يصبح مهددا بلا استثناء. اليوم ليست القضية مأمون هباني وحده، بل مستقبل العدالة في السودان.
#الحرية_للناظر_مأمون_هباني