تصريحات قادة الجيش وحتى صغار الضباط الهجومية على الأحزاب السياسية تشتمل على عبارةٍ تحتاج إلى توقف وفحص : إن الأحزاب تريد السلطة وإذا تمت ترجمة هذه العبارة إلى أي لغةٍ عالمية ستكون مدعاةً للدهشةِ والسخرية إذ أن التعريف البسيط للحزب هو مجموعة من الناس تتشارك أفكاراً محددة وتهدف للوصول إلى السلطة من أجل تحقيق هذه الأفكار.
ويمكن مناقشة هذه العبارة إذا كان المقصود ، أن هذه الأحزاب ترغب في الوصول للسلطة عن طريق الانقلاب مثلاً ، في هذه الحالة يجب أن تخضع العبارة للنقاش إذ انها اتهام واضح يجب تفكيكه ولكن قادة الجيش لا يذهبون في هذا الاتجاه لأن الانقلاب هو فعل المؤسسة العسكرية نفسها منفردةً أو شريكة مع بعض الأحزاب.
وفي تجربة السودان تخلص الجنرالات من كل الأحزاب التي حاولت امتطاء المؤسسة العسكرية وانفردوا بالسلطة مع استخدام بعض المدنيين في وظائف تقنية بعيداً عن مركز القرار السياسي الذي هيمن عليه الجنرالات بالكامل ، هجوم قادة الجيش المستمر على الأحزاب ناتجٌ من التنافس في تنسم السلطة إذ يرى كل طرفٍ أنه أحق بها من الاخر.
ويعود هذا بالأساس إلى فكرة متأصلة عند العسكريين في السودان أنهم أحق بالحكم من المدنيين لذلك لا يذهب اتهامهم للأحزاب بأنها تريد الحكم بغير الانتخابات لأن هذه الجملة ستفتح أبواب مشرعة من الأسئلة التي تدعو لخلق أجواء مواتية مثل السجل الانتخابي وفتح المجال السياسي وحرية الكلام والصحافة وجميعها أسئلة تنتمي إلى السياسة وليس العسكرية لذلك يحرص العسكر دوماً إلى قيادة البلاد إلى الميدان الذي يجيدون إدارته ويحتكرونه وهو الحرب والانفلات الأمني واختلاق الأعداء في الداخل والخارج من أجل الإمساك بزمام الأمور أطول فترةٍ ممكنة.
عندما يقول جنرال إن المجد للبندقية وليس للساتك فإنه يضع السلاح في مواجهة أصوات الناس ولأنه يعرف أنه يتحكم في البندقية وبالضرورة لا يتحكم في آراء الناس ، لذلك يرجح كفة مايملك في مواجهة مالا يملك.
ماينتهجه البرهان اليوم هو امتدادٌ لقناعات المؤسسة العسكرية ” منا الأمراء ومنكم الوزراء ” وملخصها يمكن للمدنيين الوجود في الوظائف المختلفة وتتمثل أهمية وجودهم في سببين : اظهار مشاركة المدنيين أولاً وهو الأهم بالإضافة إلى القيام بوظائف ذات طابع تقني لا يعرفها العسكريون ولا يحبون القيام بها ، على أن وجود المدنيين في هذه الحالة محدد بشروط وجودهم خارج مركز القرار السياسي.
خطة البرهان التي تسير ببطء في هذا الاتجاه تلخص كل ما ذكرناه أعلاه ،حكومة مدنية ديكورية الآن ولا مانع من الانتقال إلى وضعٍ جديد مع إعطاء صلاحيات أكبر للمدنيين واستجلاب وجوهٍ جديدة مستعدةٍ للخدمة وتكوين برلمانٍ صوري وتقسيم الوزراة لكن كل هذه الوظائف لن يكون لها من السلطة إلا اسمها.
لأن المقولة الأساسية التي لم تناقش بعد ، نعم الأحزاب تريد السلطة فماذا تريد أنت؟