مقالات

تكية مرحلة النخبة واستنكاح تلفزيون السودان

محمد عبد الماجد

أكثر ما يزعجني في الوقت الراهن، هو أن تسوق مواقع التواصل الاجتماعي الناس وأن تستغل هواهم فتصور لهم الباطل حقاً، وفي العادة فإنَّ كثيرين لا يحبذون الدخول في صدام مع الجمهور، وهذا يجعل بعض المفاهيم الخاطئة تسود وتتمكن من أفئدة الناس بغير حق أو منطق.

إذا كان عندك خلاف أو رأي في اتحاد كرة القدم، وإذا سلمنا جميعاً أن هذا الاتحاد هو شلة من الفاسدين أو ثلة من الفاشلين، فذلك لا يعني ألّا نقف معهم عندما يكونون على حق؛ عليك أن تكون مع الحق بغض النظر عن صاحب هذا الحق أو عن موقفك منه.

الحقوق لا تكتسب شرعيتها من صاحبها، ولا تفتقد شرعيتها من الذين يقفون ضدها.

إذا كنت تبحث عن الحق فلا تبحث عن مصلحة شخصية، ولا تخاطب عواطف الناس من أجل أن تضيع حقاً.

اتحاد كرة القدم السوداني رفض لتلفزيون السودان نقل مباريات مرحلة النخبة، وهذا أمر يُحترم فيه وليس كما صوّر بيانا الهلال والمريخ والكثير من الزملاء الذين رأوا أن ظروف البلاد تستوجب من الاتحاد العام التنازل والسماح لتلفزيون السودان بنقل مباريات الدوري الممتاز مجاناً، لأن البلاد في حالة حرب!! ولأننا من خلال هذه المباريات نريد أن نوصل رسالة محددة للعالم أجمع، ونسي هؤلاء أن الرسالة إن لم تكن مقنعة وقائمة على أسس صحيحة لن تصل، وأن التنازل عن الحقوق هو أسوأ رسالة يمكن أن نقدمها للعالم.

وإذا كان البعض يرى في نقل تلفزيون السودان لمباريات الدوري الممتاز تأكيداً على أن الحياة رجعت بصورة طبيعية للعاصمة، وأن الخرطوم عادت لسيرتها الأولى، فإن تلفزيون السودان -وهو مؤسسة قومية- عليه أن يثبت ذلك بدفع مقابل مجزٍ لاتحاد الكرة مقابل نقل مباريات الدوري الممتاز (مرحلة النخبة).

عجباً أن تطلبوا من اتحاد الكرة التنازل عن حقوقه (عشان) الحرب انتهت والعاصمة رجعت، في نفس الوقت الذي تجدون فيه العذر للتلفزيون لعدم دفع مقابل للنقل بسبب الحرب وظروف البلاد! هذا تناقض عجيب.

إذا كانت الحرب قد انتهت والعاصمة عادت كما كانت فادفعوا لاتحاد الكرة مقابل التلفزة، وإذا كانت البلاد تمر بظروف صعبة وما زالت تعاني من الحرب، فليس هناك داعٍ لمشاهدة المباريات والاستمتاع بها والبلاد ما زالت تعاني.

اتحاد الكرة -وأنا أكثر مقتاً له- تنازل عن حقوقه في المرحلة الأولى للممتاز وسمح للتلفزيون بنقل الدوري، واختار التلفزيون فقط المباريات التي يكون طرفها الهلال والمريخ، وكان يمكن لتلفزيون السودان أن يقدم رسالته للعالم وينقل مباريات من مجموعة مدني ومجموعة الأبيض، إذا كان فعلاً يبحث عن تقديم رسالة قوية وجميلة عن السودان، لكن تلفزيون السودان اختار الحل الأسهل ونقل فقط المباريات التي طرفها الهلال والمريخ؛ فأين رسالة التلفزيون للعالم وقتها؟

اتحاد الكرة نظّم مرحلة النخبة في العاصمة في ملاعب خربة، وأجبر أنديته على الحضور للخرطوم بأجهزتهم الأجنبية ولاعبيهم المحترفين الأجانب، وهذا دور عظيم قام به الاتحاد، وهو قد قام بما يليه، فلماذا لا يقوم التلفزيون بدوره ويدفع مقابلاً مالياً على هذه التضحيات؟ والأندية تلعب في ملاعب يمكن أن نعتبرها مهدرة لثرواتها بسبب تعرض اللاعبين مخاطر الإصابات بسبب أرضية الملاعب.

كرة القدم استثمار يجب أن يُحترم، هي ليست تكية ولا جمعيات خيرية، ليأتي تلفزيون السودان وينقل المباريات وكأنه ينقل مناسبة زواج أو حفلة شاي.

الأندية السودانية واتحاد الكرة هي الأكثر تضرراً من هذه الحرب بسبب ما تعرضت له الملاعب من تدمير وخراب، ويد الدعم والتعمير يجب أن تمتد أولاً لتلك الملاعب والأندية والاتحادات إذا أردنا تعمير السودان حقاً، ولن يحدث تعمير وبناء إذا تنازل الاتحاد عن حقوقه، ومعروف أن حقوق التلفزة تمثل البند الأول في ميزانية الاتحادات والمنافسات والبطولات، فكيف يتنازل اتحاد الكرة عن سلعته الرائجة؟ وإن تنازل الاتحاد عن بضاعته في هذا الموسم فكيف للتلفزيون أن يدفع مقابلاً مجزياً في السنوات القادمة، وهو يريد أن ينقل الدوري (بالسلفقة والاستهبال والاستنكاح)؟ يريدون نقل المباريات (بالجودية) وعلى طريقة “ما بيناتنا”، و”ما في مشكلة والحالة واحدة”، و”باركوها يا جماعة”؛ هذه الطريقة هي التي تقودنا إلى الوراء، ونحن بعد الخروج من الحرب علينا أن نحترم الحقوق وأن نؤسس لاستثمار حقيقي قائم على منافع متبادلة، لا على عاطفة ومجاملة واستغلال سيء للظروف.

إن تنازل الاتحاد عن حقوقه في نقل المباريات هو نوع من الفساد، وهو حق لا يملكه اتحاد الكرة ولا الهلال والمريخ؛ ما سيدفعه التلفزيون لاتحاد الكرة سوف يذهب للبلد والبناء والتعمير، لماذا تريدون أن تبنوا البلد بالهبات والمنح والتنازلات، وهي يمكن أن تُبنى بالحقوق والاستثمار، لا بالتسول والانكسار؟

لا تلعبوا على عواطف الناس، ولا تستغلوا رغبتهم في مشاهدة الهلال والمريخ فتجبروا اتحاد الكرة على التنازل عن حقوقه، والدولة تملك أن تدعم، بل تملك أن تعطي الاتحاد حقه، نحن لا نطالب بالدعم، نحن نطالب بالحقوق، وهي مستفيدة من ذلك لأن كرة القدم أفضل استثمار. وإذا كانت البلاد في ظروف حرب فإن الدولة وتلفزيونها ملزمان بدعم الأنشطة الرياضية وإعادة التعمير والتأهيل للملاعب والأندية؛ دولة لا تريد أن تبني وأن تؤهل الملاعب والبنية التحتية وتريد كذلك أن تنقل الدوري الممتاز مجاناً؟ عجباً على هذه العقلية!

لقد وصلت حقوق النقل والرعاية في عهد الدكتور كمال شداد إلى أرقام فلكية، وقد كان ذلك لأن شداد لا يجامل ولأنه كان يحترم السلعة التي يقدمها ويطرحها، ومطلوب من اتحاد الكرة أن يعيد إلى سلعته بريقها وقيمتها، وذلك باحترامها وتقديرها، لا بالتنازل عن حقوقها.

ومثلما تدفع الدولة الكثير من الأموال في جوانب عديدة، عليها أن تدفع في الرياضة أيضاً، وجروح الحروب تُجبر بالثقافة والأدب والرياضة.

الهلال والمريخ كلاهما أصدر بياناً يرحبان فيه بالنقل ومنح التلفزيون حقوق النقل دون مقابل، وقد سبق المريخ هذه المرة الهلال، وهي بيانات لم تكن موفقة وخالفت الصواب.

وإذا كانت القمة السودانية تجد الدعم والتسهيلات من الدولة من “تحت التربيزة” وعندهم مصالح مشتركة، فإن هنالك أندية تعاني وتعيش أوضاعاً صعبة، وقد تسببت الحرب في هبوطها من الممتاز، وتلك الأندية قد لا تملك دخلاً غير عائد تلفزة المباريات، فلماذا تتحدثون باسمها وتطالبون اتحاد كرة القدم السوداني بالتنازل عن حقوق لا يملكها؟

لا أستبعد أن يستجيب الاتحاد للضغوط ويسمح للتلفزيون بالنقل، وهذا أمر يمكن أن يخضع له الاتحاد (بتلفون)، لأن الاتحاد لا يملك قوته، لذلك هو لا يملك قراره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع