أول عهدي بالفنان مجذوب أونسة تجسد في موقف لم أستطع أن أنساه مع مرور كل هذه السنين. ارتبط عندي الراحل مجذوب أونسة -رحمة الله عليه- بهذا الموقف، لذلك كلما أسمع أو أشاهد مجذوب أونسة أشعر بجميله علينا، وأحس بالحنين إليه، كأنه من بقية أهلنا وإن كنا كل المبدعين في السودان نشعر نحوهم بهذا الحنين، نحمل لهم الكثير من الحب.
المبدعون (أهل).
وهم بكل إبداعهم ونجوميتهم، لم يُعرف عنهم غير التواضع والبساطة، كأنهم لم يكونوا نجوماً.. كانوا كلما يزدادون بعداً وارتفاعاً يزيدون تواضعاً واقتراباً من الناس.
نحن من جيل كان يقطع الأغنيات من الصحف والمجلات ويحتفظ بها في دفاتر خاصة، قبل أن تكون متاحة في الشبكة العنكبوتية، وكنا نرمي في ثنايا كلامنا -كنوع من التباهي الثقافي- مقاطع من أغنيات عثمان حسين، ووردي، وكابلي، وحمد الريح، ونعتبر ذلك قمة الإبداع، وكنا يوم نحصل على شريط كاسيت -وإن كان تسجيلاً وليس ماستراً- نعتبر أنفسنا حصلنا على كنز؛ ننفخ الشريط وندقه قبل أن ندخله في المسجل لنوثق المشهد، ومن أجل أن ينتبه الآخرون إلى أهمية تلك اللحظة التاريخية. نحن من جيل كنا نحتفظ بصور اللاعبين، والفنانين، والمذيعين، والشعراء ونلصقها في دواليب الملابس وأدراج المدارس، لذلك نشأت علاقة قوية بيننا وبينهم، وتكونت تراكمات من المحبة والمودة معهم.
لا أعرف من أين لنا كان ذلك الشعور؟ الأكيد أن آباءنا هم الذين أورثونا ذلك الإحساس، فقد كانوا يقدرون الإبداع، وكانت الحاجة الرائعة تعجبهم، وكانوا يتحمسون لذلك.
ما زلت أذكر ذلك المشهد؛ فقد كنا صغاراً، لا نحفظ أسماء الفنانين، ولكن نسكنهم في الذاكرة بأغنياتهم، وكانت كل أغنية عندنا معها موقف وقصة وحكاية.
كنا بنفهم بعضنا البعض بالأغنيات، نحن كنا جيلاً خطيراً.. زي جيل الريح كاريكا، وأسامة الثغر، ووليد طاشين في هجوم الهلال.
كنت بمشي المدرسة بلقى زميلي هيثم الخلا بغني لي إبراهيم عوض في الفسحة: (ليه بتسأل عني تاني، بعد ما بعت الأماني)، وكان هيثم الشقاولة فنان الدفعة وممثل المدرسة في الدورة المدرسية بغني لصالح الضي: (دلال).
أكتر من كدا نحن عاوزين شنو؟
الناس كانت بتحفظ شعر الفرزدق، وجرير، والبحتري.
وكانوا عارفين تاريخ الشريف زين العابدين الهندي، ويحيى الفضلي، وعمر نور الدائم.
الوزير كان زي الفنان، هسه الوزير عادي تلقاه طالع في لايف.
إذا كان الوزراء بقوا كدا، الناس العادية تبقى كيف؟
في ذلك الزمن لم يكن هنالك إنترنت، ولا موبايل، ولا فيس، ولا فضائيات، ولا فار (حكام تقنية الفيديو)، ولا في ذكاء اصطناعي، الذكاء كان طبيعياً، وكان أقصى حدود دهشتنا (الأغاني)، وهذا ليس انتقاصاً من الدهشة أو تقليلاً منها، لأن الأغنيات السودانية ما زالت تدهشنا.. وهي بحر للدهشة.
مرة سألت خالد شقوري عن مقطع يدهشه، قال لي: (عيونك زي سحابة صيف تجافي بلاد وتسقي بلاد).
وسألت أزهري محمد علي نفس السؤال وقال لي: (عصرت على طرف الطريق.. عقدت سفنجتها بي دلق وكل فردة كانت من بلد وينشافن الإتنين خُضر والليل سُتر).
ولغاية الليلة أنا ما قادر أستوعب محجوب شريف في وصف الشعب السوداني: (عمق إحساسك بي حريتك.. يبقى ملامح في ذريتك).
وما عارف إسحاق الحلنقي جاب: (لو وشوش صوت الريح في الباب يسبقنا الشوق قبل العينين) من وين؟
وما شايف مرافعة أقوى من كلمات عوض أحمد خليفة: (وقست ظروفي علي واتلاشت الأحلام… وين حسن ظنك بي وريني إيه ضراك… لو كان صبرت شويه عمر السنين أيام).
الزول دا عاوز يقول شنو أكتر من كدا؟
هاشم صديق قال: (حاجة فيك تقطع نفس خيل القصائد)، دي لو جابوا ليها شعراء المعلقات ما يقدروا عليها.
زمان وقت ألقى في لوري تراب مكتوب في خلفيته: (وراء البسمات كتمت دموع)، بقول بتاع اللوري دا مفروض يقرأ طب.
وكان في باصات بترميها واضحة وتكتب: (دا ما سلامك).. ونحن كنا بنفهمها وهي طايرة.
الدنيا ما كانت كدا، ما كانت غرفة وبرندة.. ولا كان في زول برجع للفار، الحاجات كانت واضحة من أول وهلة.
عندما أجلس وحدي أقرر بيني وبين نفسي أن أخطر شاعر سوداني هو محجوب سراج، الزول دا أنا عندي أخطر من والي الدين، لاحظ أن تشبيهاتنا كانت لا تتجاوز حدود لاعب كرة القدم، ثقافتنا كانت محدودة، لكنها كانت عميقة.
كنا عارفين أي حاجة.
أحلى حاجة عندنا الزبادي بالسكر، ويوم نعمل عليه طحنية ما بنسأل في زول.
مشيتك في الشارع تغيرها.
عزمي أحمد خليل كتب: (دا ما سلامك) التي لحنها أخطر ملحن هو عبد اللطيف خضر وتغنى بيها أخطر فنان هو مجذوب أونسة.
لاحظت أن كل من كتب عن مجذوب أونسة قبل رحيله وبعد رحيله كتب عن أغنية (دا ما سلامك)، وهي أغنية فعلاً في منتهى العبقرية، لو الأمر بيدي كنت جعلتها من شروط استخراج الجواز السوداني.
مجذوب أونسة لأول مرة بعد رحيله أكتشف أنه فنان كان حزيناً وإن في صوته (شجناً) مركباً، الزول دا كان خطيراً شديداً، لكن كعادتنا نحن ما بنشعر بخطورة الزول إلا بعد أن يرحل.
كان في صوته شجن، لكنه في نفس الوقت كان فناناً فرائحياً، بنشر البهجة والفرحة والسرور، مجذوب أونسة كان زول (نكتة)، ساخراً وناقداً، ويمنح الفرح لكل من هم حوله.
مناسبة ذلك أن الموقف الذي سوف أحكيه ليكم يؤكد ذلك.
أذكر عندما مات جدي محمد علي الفراش شقيق حبوبتي عائشة بنت الفراش، أن دخلت الجدة في حالة من الحزن والصدمة، فشل الجميع في أن يخرجها منها، حتى ظهر مجذوب أونسة في التلفزيون يغني: (جبل ما بتهزه هبوب) فقامت حبوبتي من حزنها وانتفضت ودندنت مع أونسة، وفي ذلك الوقت كان الزول البكون عندو زول مات سنة لا بسمع أغنية ولا بضحك ولا يلبس غير السواد.
نظرنا إلى التلفزيون وتمعنا أغنية أونسة، ورغم محدودية فكرنا في ذلك الوقت، إلا أننا أدركنا بالحاسة السادسة أن بنت الفراش شعرت أن مجذوب أونسة يغني لأخيها الذي رحل (ود الفراش)، فقد كان جبلاً ما بتهزه هبوب.
من ذلك اليوم أحسسنا بفضل مجذوب أونسة علينا، فقد أخرج عائشة بنت الفراش من حزنها وكسر قوانين المنطقة والبيئة التي تحرم الاستماع للأغاني في حالة الحداد.
ثم أدركنا بعد ذلك أن مجذوب أونسة بما يمتلكه من مقدرات شجن في صوته، عنده القدرة على أن يخرجك من الحالة التي تعاني منها.
يفعل مجذوب أونسة ذلك بمنتهى البساطة من غير فلسفة أو لف دوران، يغني الشجن كله دون أن يشعرك بالشجن، يفعل ذلك وكأنه بشرب في موية.
أكتر تلاتة فنانين بغنوا بسهولة ويسر ومن غير تعب هم: كمال ترباس، وعبد الوهاب الصادق، ومجذوب أونسة.
مجذوب أونسة كان فناناً ذكياً؛ لأنه جاء للعاصمة من منطقة بربر، قرية نقزو، وقدم أغاني منطقته، وعكس ثقافة البيئة التي جاء منها، وبربر منطقة حضارات.
قدم أونسة في بدايات مشواره أغنية: (الريد الريد يا أهل لمتين لدياركم نصل) فعكس إحساس أهله، وكان أذكى من ذلك أن غنى في بدايات مسيرته الفنية لشقيقه الشاعر حسين أونسة، وهو كان الأقرب قدرة للتعبير عنه والشعور به.
أغنية: (أقدار يا نور عينيا أنا كنت فاكرك لي)، إحدى أكثر الأغنيات المحملة بالشجن، كتبها حسين أونسة وتغنى بها مجذوب أونسة، فكانت أجمل أقدار أونسة إخوان الغنائية.
ولأن مجذوب أونسة انطلق من شندي التي عمل بها لفترة في محل (سنجر) للصياغة، فقد غنى أونسة لشاعر شندي عبد الرحمن بكراوي: (جيت أودعك يا قماري).
وشندي (محطة) مهمة انطلق منها الكثير من الفنانين، وقد بدأ محمد وردي انطلاقته من مدينة شندي.
وفي بدايات أونسة غنى للشاعر إبراهيم الرشيد: (آخر خبر كتبوا الجواب)، وهو نص نُشر في إحدى الصحف فاختار مجذوب أونسة أن يتغنى به.
غنى أونسة لمحمد نجيب محمد علي، وغنى لمحجوب الحاج، وقدم أغنيات للوطن تعتبر شامة في خد الوطن.
جيل مجذوب أونسة أعتقد أنه جيل حارب واجتهد من أجل أن يثبت نفسه، فقد جاء هذا الجيل بعد جيل العمالقة الذي بدأ من: الكاشف، وحسن عطية، وأحمد المصطفى، وعبد العزيز محمد داود، وعثمان حسين، وعثمان الشقيع، وإبراهيم عوض، ومحمد وردي، ثم الطيب عبد الله، وحمد الريح، وصلاح بن البادية، وزيدان إبراهيم، ومحمد ميرغني، وعثمان مصطفى، ومحمد الأمين، وأبو عركي البخيت، مع ذلك استطاع جيل أونسة أن يثبت وجوده ويشق طريقه ويضع بصمته، ذلك الجيل كان فيه: عبد العزيز المبارك، وخوجلي عثمان، وإسماعيل حسب الدائم، ونجم الدين الفاضل، ثم جاء مصطفى سيد أحمد، والخالدي، والأطرش، والأمين عبد الغفار، ثم حيدر بورتسودان، وعماد أحمد الطيب.
أونسة له بصمته ولونيته الخاصة، فهو فنان لم يشبه أحداً ولم يأتِ بعده فنان يشبهه.
…
متاريس
من ميزات الفنان مجذوب أونسة ومن جمالياته، أنه فنان كان اجتماعياً، تجده مشاركاً في كل المناسبات، والحادث الذي تعرض له يثبت ذلك، فقد كان مجذوب أونسة عائداً من منطقة نقزو بعد المشاركة في عزاء أحد أقاربه، ورغم أن ظروف السفر والتنقل أصبحت صعبة، إلا أن أونسة لم يتخلَ عن عادته حتى ونحن في أصعب الظروف.
في طريق التحدي كنا قد فقدنا الفنان نادر خضر في حادث حركة وهو عائد من عطبرة إلى الخرطوم، وقد كان الحادث قرب مدينة شندي، وها نحن نفقد مجذوب أونسة في حادث في نفس الطريق وربما في نفس المنطقة.
نسأل الله لهما الرحمة والمغفرة.
نسألكم ونحن في هذا اليوم المبارك الدعاء لمجذوب أونسة.. اللهم ارحمه واغفر له وأسكنه فسيح جناتك.
لقد رحل أونسة في أيام مباركة.. زار أهله وودعهم ودفن في أم درمان التي أحبها.. والحمد لله أن ذلك حدث والأوضاع مستقرة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
…
ترس أخير: والحمد لله على كل حال.