تدهشني جرأة البعض على تزييف الواقع وتجاهل أبسط حقائق السياسة والاقتصاد. فهم لا يتوقفون عن الشكوى من تراجع الخدمات، وانقطاع الكهرباء والمياه، وضعف الرعاية الصحية والتعليم، وارتفاع الأسعار، وشح السيولة النقدية، وتعثر تطبيق «بنكك»، واستفحال الفساد، ثم يدعون، في الوقت ذاته، إلى استمرار الحرب وإطالة أمدها.
والمفارقة أن هؤلاء يتحدثون وكأن التنمية يمكن أن تزدهر تحت القصف، وكأن الجنيه السوداني قادر على استعادة عافيته وسط الدمار، أو أن الخدمات العامة يمكن أن تتحسن فيما تُستنزف موارد الدولة في حرب مفتوحة.
هذه ليست قراءة واقعية للأحداث، بل تناقض صارخ. فلم يعرف التاريخ دولة خاضت حرباً طويلة ثم حققت، في الوقت نفسه، استقراراً اقتصادياً أو طفرة تنموية. بل إن الحروب، بطبيعتها، تُضعف الإنتاج، وتستنزف الموارد، وتُربك الأسواق، وتُفاقم أزمات الخدمات والمعيشة.
ويزداد الأمر وضوحاً في حالة السودان، الذي كان يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية هيكلية وتراجع مستمر في قيمة عملته الوطنية قبل اندلاع الحرب بسنوات.
إن من يشكو من نتائج الحرب، ثم يتمسك بالأسباب التي تنتجها، يشبه من يؤجّج النار ثم يتذمر من الدخان. فالتنمية والسلام توأمان، أما الحرب فليست طريقاً إلى الازدهار، بل بوابة واسعة إلى الخراب.