لم تبدأ حرب السودان في الخامس عشر من أبريل وحده. تلك كانت لحظة الانفجار، أما البارود فقد تراكم منذ سنوات، من دماء فض اعتصام القيادة في الثالث من يونيو، ومن مسيرات الزحف الأخضر الإخوانية، ومن تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، وصولا إلى انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم الحرب المفتوحة على الاتفاق الإطاري لأنه كان يهدد جوهر الدولة العميقة:
امتيازاتها الطفيلية، وجيوشها الموازية، واقتصادها المختطف، ونفوذها داخل الجيش والأمن والشرطة.
كان السودانيون قد قالوا كلمتهم بوضوح: دولة مدنية، كيزان حرامية، والعسكر للثكنات. لكن هذا الشعار البسيط كان كافيا لإرعاب تحالف العسكر والإخوان.
فالدولة المدنية لم تكن تعني فقط تغيير حكومة، بل تفكيك شبكة كاملة عاشت على السلطة والمال والسلاح والدين المزيف.
لذلك حورب مشروع إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية والشرطية داخل ماعون قومي وطني.
وحورب إخراج العسكر من السياسة والاقتصاد. وحورب كل طريق يؤدي إلى دولة طبيعية لا يحكمها الجنرالات ولا تجار الحرب ولا فقهاء الاستبداد.
ثم جاءت حرب “الكرامة”، الاسم المستعار للخراب. قالوا إنها ستحسم في ست ساعات، ثم في أسبوعين، فإذا بنا ندخل عامها الرابع، وقد صار السودان أكبر كارثة إنسانية في العالم. تشرد الشعب الذي خرج مطالبا بالحرية، ودمرت المدن، ونهبت البيوت، وتمزق النسيج الاجتماعي، بينما بقي تجار الحرب يبيعون الوهم ذاته: معركة كرامة لا تنتج إلا الإذلال.
والآن، بينما يضغط العالم الحر لوقف الحرب، يطل رئيس الأمر الواقع من الأسواق، يحتسي العرديب، ويحضر المصارعة، ويتحدث عن إجماع شعبي جديد، كأن البلاد لم تحترق، وكأن الملايين لم يغادروا بيوتهم، وكأن الجوع والنزوح والموت تفاصيل صغيرة في طريق مشروع قديم.
الحقيقة أن انقلاب أكتوبر حقق حلمين: حلم العسكر في ابتلاع السلطة، وحلم الإخوان في تفكيك الانتقال. لكن الشعب دفع الثمن كاملا من دمه وبيته وكرامته ومستقبله.
هذه ليست حرب كرامة. هذه حرب ضد الكرامة ذاتها. حرب ضد السودانيين الذين حلموا بدولة مدنية. وضد ثورة قالت إن السودان لا يمكن أن يبقى رهينة للبندقية والفتوى والفساد.
وإذا كان لا بد من بداية جديدة، فهي لا تبدأ بإجماع مصطنع ولا بتفويض تحت فوهة البندقية، بل بوقف الحرب، ومحاسبة من أشعلوها، وإبعاد العسكر عن السياسة، وتفكيك دولة الإخوان، وبناء جيش وطني واحد يحمي البلاد ولا يحكمها.
لقد آن للسودان أن يخرج من قبضة الذين وعدوه بالكرامة، ولم يمنحوه سوى الخراب.