حوار وثبة جديد من أجل شراكة دم جديدة!!

د. أحمد عثمان 

تتسارع خطوات التسوية السياسية المفروضة دولياً بصورة محمومة، وجميع شواهدها تؤكد أن المجتمع الدولي لم يغير تصوره، القائم على إدارة الأزمة عبر شراكات الدم بين العسكر والتيار المدني التسووي غير الثوري، التي تتطلب إعادة تدوير الجنرالات، واستمرار تقديم التنازلات المجانية من التيار التسووي الراغب في العودة للسلطة كواجهة للعسكر ودفع كل الأثمان التي يرغب فيها المجتمع الدولي. ومن تلك الشواهد، النشاط الواسع الذي أدى إلى انشقاق اثنان وربما ثلاثة من قيادات مليشيا الجنجويد الإرهابية و انضمامهم لمعسكر الجنرالات المختطفين الجيش لمصلحة الحركة الإسلامية المجرمة التي صنفتها الولايات المتحدة الأمريكية كمنظمة ارهابية! كذلك جلوس تحالف “صمود” مع الكتلة الديمقراطية المعادية لثورة شعبنا والداعمة لانقلاب أكتوبر 2021م الذي طردها من سلطة شبه المدنية والتوقيع معها تحت مظلة الخماسية، برغم رفض حركة تحرير السودان الدارفورية التوقيع، وأيضاً ما رشح في تقرير أفريكا انتلجنس المنشور في منتصف هذا الشهر، من قيام إحدى الدول الإقليمية المتهمة بشراء قيادات الجنجويد، بالعمل على تشكيل قاعدة مدنية متحالفة مع الانقلابي المزمن، عبر التواصل مع شخصيات بارزة من تحالف صمود، لإبعادهم عن تأثير مليشيا الجنجويد الإرهابية المدعومة من دولة إقليمية أخرى عضو في نفس الرباعية. ومن الشواهد أيضا ما تردد حول قرار الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي- مقاطعة العملية السياسية المرتقبة، واشتراطها في بيان المقاطعة، استعادة القوى المناهضة للحرب زمام المبادرة، والتوصل إلى اتفاق مع الآلية الخماسية حول أجندة الحوار.

ويضاف إلى كل ذلك شاهد مهم، وهو تغير خطاب الصحفيين الأساسيين الداعمين لجنرالات الواجهة والمنتمين لمعسكر النظام السابق والحركة الإسلامية المجرمة، لخطاب داعم لحوار شامل لا يستثني الإسلاميين وواجهتهم السياسية المؤتمر الوطني المحلول، بدلا من خطاب الحرب المستدامة القائم على “بل بس”.

صحيح أنهم مازالوا يناورون بوضع شروط غير منطقية للحوار مع مليشيا الجنجويد الإرهابية، لكن حديثهم حول صمود، يطالب بعدم استثناء المؤتمر الوطني المحلول فقط، في محاولة مستمرة لفرض الإسلاميين على الشعب السوداني، في تأكيد لحقيقة أن كل نشاط اللجنة الأمنية للإنقاذ منذ انقلاب القصر وحتى انقسامها ودخولها في الحرب، الهدف منه هو فرض الإسلاميين واستمرار التمكين، وأن خطابهم الماثل يعني أن كل الوسائل للانفراد بالسلطة قد فشلت، وأصبح أقصى ما هو مطلوب السماح بعودة شراكات الدم، وهم يراهنون على أن صمود لن ترفض هذه الشراكات وستقبلها تحت دعاوى الحكمة والواقعية امتثالا لضغوط المجتمع الدولي، وأنها فقط ستطالب بأن يعاد إخراجها بصورة أخرى، تكون قابلة للتسويق جماهيرياً.

ومن الواضح أن التسوية ذات الشواهد المذكورة أعلاه، تسوية فوقية تستبعد حركة الجماهير في استغلال واضح لانحسار المد الجماهيري بسبب الحرب، ورغبة المواطنين في إنهاء الحرب بأي ثمن، لتركيب عملية سياسية لا تخاطب جوهر الأزمة وتكتفي بمعالجة بعض مظاهرها لتعيد إنتاجها وتغذي نفس الدائرة الشريرة التي يعاني منها شعبنا.

ولسنا في حاجة للقول بأن الرهان على الانقلابي المزمن وقيادة الجيش الحالية غير الشرعية التي تعمل كواجهة للحركة الإسلامية المجرمة المصنفة أمريكياً كمنظمة إرهابية، ومحاولة فصله وحده أو فصلها كلها من تلك المنظمة وتسويقه أو تسويقهم كقيادة عسكرية مهنية لا علاقة لها بتلك المنظمة، لن تجد فتيلا.

فالأدلة على أن هذه القيادة العسكرية هي الذراع العسكري لتلك المنظمة لا تحصى ولا تعد، بدءا من تعيين هذه القيادة، وتبنيها المطلق للخط السياسي للمنظمة، وانقلاب القصر ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة، والوثيقة الدستورية المعيبة، وانقلاب الموز، والحرب الحالية التي تم استثمارها لإعادة تمكين الحركة الإسلامية المجرمة كاملا غير منقوص عبر الحرب في مناطق سيطرة هذه القيادة، التي تشكل عنصرا عضويا أساسيا وحاسما في معسكر الرأسمالية الطفيلية، وذراعا باطشا لهذا المعسكر، في معية جهاز أمن الحركة المذكورة المتنكر في شكل جهاز أمن وطني، ومليشيات الحركة التي تقاتل علنا مع الجيش المختطف.

فمحاولة تسويق الانقلابي المزمن كعسكري محترف منفك عن تلك المنظمة المصنفة إرهابية المسيطرة على الجيش، محاولة مصيرها الفشل حتماً، حتى وإن تم إقناع تحالف صمود بالتحالف معه مجددا، وهو أمر لم يتم حتى هذه اللحظة حسب التسريبات ولكن العمل عليه يجري على قدم وساق وفقا لتقرير أفريكا انتلجنس! وذلك لأن غسله وإعادة تدويره أمر شبه مستحيل، فهو كان معتمدا لنيرتتي ورئيسا للمؤتمر الوطني بشهادة أحد أهم قياديي الحركة المجرمة المبذولة في وسائل التواصل الاجتماعي في شهادة مصورة، وهو المفتش العام للجيش المختطف معين من الرئيس المخلوع، وهو قائد انقلاب القصر، وهو رئيس مجلس سيادة سلطة شبه المدنية الذي انقلب عليها ببيان مشهود واعتقل مدنييها، وهو من أعاد الإسلاميين المفصولين من قبل لجنة إزالة التمكين وأعاد كل الأموال المنهوبة لناهبيها، وغير ذلك كثير.

وهو حتما لن يستطيع فك ارتباطه مع الرأسمالية الطفيلية وجناحها المسيطر، لأن هذا الجناح قبضته مستحكمة في الجيش، وهو مسيطر سيطرة تامة على الاقتصاد الموازي الذي تديره المؤسسة العسكرية، ومليشياته فاعلة ومشرعنة، وجهاز أمنه متحكم في الجانب الأمني كذلك، ولا سبيل لفرد مهما كان موقعه للتخلص من هذا النفوذ المؤسسي.

 والانقلابي المزمن يعلم ذلك تماما وليس لديه اوهام حول حجمه أو قدراته، فهو مجرد واجهة لهذه الرأسمالية الطفيلية وأسير لها في نفس اللحظة، وبدونها لا سلطة له، لأن وجوده في سدة الحكم يعتمد عليها اعتمادا كليا.

لذلك أي حوار يؤسس على محاولة لخلق جبهة مدنية في تحالف مع الانقلابي المزمن، هو حوار وثبة جديد، في سياق مشروع الهبوط الناعم لنظام التمكين عبر شراكات الدم. والموقف السليم هو مقاطعة مثل هذا الحوار كما تمت مقاطعة حوار الوثبة.

فالانخراط في الحوار، يستلزم أن يكون حوارا لتوحيد القوى الوطنية المدنية، في مواجهة السلطة غير الشرعية ومن خلفها ومواجهة الجنجويد أيضاً الذين يمثلون الجناح الآخر للجنة الإنقاذ الأمنية وجزءا أصيلا من الرأسمالية الطفيلية، وأحد امتدادات نظام التمكين السابق واقتصاده الموازي المدمر لبنية المجتمع.

وأي حوار لا يقصي المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته السياسية والعسكرية والأمنية وحلفائه كالكتلة الديمقراطية والمليشيات التي تحارب معه، ولا يقصي الجنجويد كذلك، هو حوار يهدف لإدارة الأزمة وإعادة إنتاجها، ومحصلته ستكون استمرار التمكين السياسي في ظل شراكات الدم، واستمرار الاقتصادي الموازي الذي يشكل اساس التمكين، مع التأسيس للإفلات من المحاسبة والعقاب وإهدار العدالة والتنكر لأهداف ثورة ديسمبر.

ومفاد ما تقدم هو ضرورة عدم المشاركة في أي حوار لا يقصي المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته وحلفائه، ويقصي مليشيا الجنجويد ومن يتحالف معها ايضاً، في تحديد صريح للعدو الذي يجب أن تتحد القوى المدنية في مواجهته لمواصلة ثورة شعبنا المجيدة.

والعمل الجاد على استكمال الجبهة القاعدية المتمسكة بشعارات الثورة ومشروعها، القائمة على أساس “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، والتي تعمل على رفض تركيب أي معادلة سياسية تقوم على شراكة دم جديدة وتعويم للسلطة غير الشرعية الماثلة وإعادة تدوير واجهاتها، مع عدم رفض جهود المجتمع الدولي الرامية لوقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية، دون السماح باستخدامها رافعة لتركيب معادلة سياسية لا تخدم شعبنا وتشرعن استمرار قبضة أعدائه وتعمل غطاءا للتمكين، فمعادلة شعبنا مع أعدائه صفرية، وستنتهي بانتصاره حتما طال الزمن أم قصر.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

Exit mobile version