
أدت الحرب المستمرة في السودان إلى تفاقم كارثي لأزمة “أطفال الشوارع”، إذ تسببت في مضاعفة أعدادهم، وزيادة تعرضهم للموت، والجوع، والتجنيد القسري، وفقدان المأوى.
وأدت ظروف النزوح إلى انقطاع آلاف الأطفال عن ذويهم وتشردهم في ظروف قاسية، في الوقت نفسه دخلت البلاد في مرحلة الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة، بما في ذلك منظومة الحماية الاجتماعية التي كانت في الأصل تعاني أوضاعاً هشة.
وبحسب تقديرات ميدانية، فإن أكثر من 20 ألف طفل ينتشرون في شوارع ولاية الخرطوم، مع وجود أعداد هائلة في بقية الولايات، لا سيما أن الحرب لم تخلف المشردين، لكنها أعادت إنتاجهم بصورة أكثر اتساعاً، في وقت تم تهجير 7 ملايين طفل منذ بدء النزاع، بينما فقد آلاف آخرون أسرهم نتيجة القصف والنزوح القسري.
أزمة مركبة
يقول الوليد كمال الدين، الناشط في المجال الإنساني، إن “أطفال الشوارع في السودان ظاهرة قديمة، إلا أنها تجددت بسبب الصراع الحالي، إذ تعكس ملامح أزمة مركبة تتقاطع فيها الحرب مع الفقر والانهيار المؤسسي لتدفع بآلاف الأطفال، وبخاصة الذين صنفوا أولاد شوارع، إلى قلب واحدة من أعنف الحروب في العالم”.
وأضاف أن “شريحة الأطفال المشردين في ظل الحرب عاشوا ظروفاً إنسانية قاسية تنقصهم الحماية القانونية ومظلة اجتماعية ينتمون إليها، وكذلك الاعتراف الرسمي بوجودهم بعد انهيار المؤسسات الاجتماعية التي كانت توفر الدعم من ناحية السكن والطعام والتعليم الأكاديمي والمهني، فضلاً عن أياد بيضاء تتكفل بجوانب عدة في حياتهم”.
وتابع كمال الدين، “هؤلاء الأطفال بعدما وجدوا أنفسهم خارج أطر الحماية باتت الحرب قوة جذب لهم وسط محفزات تتمثل في الراتب الشهري وامتلاك السلاح في ظل تحول خطر للظاهرة بإعادة إنتاجها”.
وزاد في القول “إن مشاركة أطفال الشوارع في القتال والزج بهم في المعارك ضمن المجموعات القتالية مثل ‘أسود الجبال’ يُرجح أنها تضم أعداداً كبيرة من الأطفال، كما أشارت تقارير دولية تحدثت عن تجنيد أطفال دون 18 سنة”.
وأشار إلى أن “الفقر لعب دوراً حاسماً في هذا التحول الخطر، فهناك أطفال يعملون في الشارع لإعالة أسرهم، غير أن الاستغلال دفعهم إلى الانخراط في التجنيد لأنه يوفر لهم شعوراً بالانتماء الذي يصبح خياراً واقعياً، إلا أنه في حقيقة الأمر انتماء زائف”.
ونوه الناشط في المجال الإنساني إلى أن “هناك مبادرات محلية تقدم الدعم لهؤلاء الأطفال، لكنها تبقى محدودة، إذ تخفف من التبعات وتمنحهم شعوراً بأنهم جزء من المجتمع، لكن بات واضحاً أن هناك قصوراً دولياً لدعم هذه الشريحة في الجوانب المختلفة، فضلاً عن عدم إلزام الأطراف المتنازعة حماية الطفولة في السودان”.
تداعيات معقدة
قبل الحرب كان التعليم، وبخاصة الحكومي، يعاني ضعف التمويل وتردي البنية التحتية، إذ دفعت الحرب النظام التعليمي إلى حافة الانهيار الكامل، وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن نحو 14 ألف طفل خارج المدارس حتى الآن.
وتوضح الباحثة التربوية علوية الشريف أن “التعليم تاريخياً لم يكن ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة في السودان، إذ لم تتجاوز موازنته اثنين في المئة من الإنفاق العام، مقابل إنفاق ضخم على المؤسسات العسكرية”.
وأردفت الشريف إن “غياب التعليم في ظل الحرب لا يعني فقط فقدان المعرفة وفصول الدراسة، بل فقدان الحماية للأطفال، فالمدرسة في كثير من الحالات تمثل الحاجز الأخير بين الطفل والشارع، لا سيما أن تنامي ظاهرة أولاد الشوارع بسبب الحرب له تداعيات طويلة الأمد وسيكون المجتمع السوداني في مواجهة جيل نشأ في بيئة عنف بلا تعليم أو حماية يغلب على طبعه الجهل وسلوكيات لا تحمد عقباها”.
ولفتت إلى أن “أطفال الشوارع ليسوا مجرد ضحايا فقط، وإنما أصبحوا جزءاً من معادلة الحرب في بلد تتآكل فيه الدولة ويتراجع التماسك المجتمعي، مما يحولهم إلى وقود لصراع لا يملكون فيه خياراً”.




