تقارير

الخرطوم تنبش قبورها… خطوة لحفظ حقوق الأسر وتوثيق بيانات المتوفين

الخرطوم - مشاوير - تقرير الأصمعي باشري

خلال شهر مايو وبداية يونيو الجاري ، وفي أحياء المايقوما، والعشرة ، وغيرها من أحياء مدينة الخرطوم، وقف عدد من المواطنين يتابعون بصمت أعمال نبش قبور مؤقتة أُقيمت خلال أشهر الحرب الأولى.

وبينما كان العاملون في الطب العدلي يرفعون الرفات بحذر تمهيداً لنقلها إلى المقابر الرسمية، بدت اللحظة وكأنها استعادة مؤلمة لذكريات الحرب التي غيرت وجه العاصمة السودانية منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023.

عمليات واسعة

وتواصل السلطات المحلية بولاية الخرطوم، بالتعاون مع إدارات الطب العدلي والمواطنين، تنفيذ عمليات واسعة لنقل رفات ضحايا الحرب من المقابر الاضطرارية المنتشرة داخل الأحياء السكنية والمرافق العامة إلى المدافن الرسمية، في خطوة تهدف إلى معالجة أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً التي خلفها النزاع.

وخلال سنوات الحرب، اضطر آلاف السكان إلى دفن ذويهم في ساحات المنازل والمدارس والميادين العامة بعد تعذر الوصول إلى المقابر المعروفة بسبب الاشتباكات وانقطاع الطرق وتدهور الخدمات الأساسية.

وتحولت تلك المقابر المؤقتة إلى مشاهد مألوفة في أحياء العاصمة التي عاشت ظروفاً استثنائية فرضتها المعارك المستمرة.

توثيق البيانات

ويقول مسؤولون إن عمليات النبش الحالية لا تقتصر على نقل الرفات فحسب، بل تشمل أيضاً توثيق بيانات المتوفين والتحقق من هوياتهم وتسجيل أماكن دفنهم الجديدة، بما يضمن حفظ حقوق الأسر وتوفير سجلات رسمية دقيقة للضحايا.

وتكشف الأرقام التي أعلنتها السلطات عن انتشار آلاف القبور الاضطرارية في مواقع مختلفة من الخرطوم، وهو ما يعكس حجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب. ويرى مختصون أن هذه المقابر تمثل شاهداً مادياً على المعاناة التي عاشها المدنيون خلال سنوات الصراع.

بالنسبة لكثير من الأسر، تمثل عمليات نقل الرفات نهاية لسنوات من القلق وعدم اليقين.

فبعض الضحايا دُفنوا على عجل دون توثيق كامل، فيما فُقدت معلومات آخرين وسط الفوضى التي صاحبت المعارك. ويمنح نقلهم إلى مقابر معلومة ذويهم فرصة للتعرف على أماكن دفنهم واستعادة قدر من الطمأنينة بعد سنوات من الانتظار.

جانب من العمليات

دور محوري

وتلعب إدارات الطب العدلي دوراً محورياً في هذه العمليات، إذ تتولى استخراج الرفات وفحصها وتوثيقها وفق إجراءات قانونية وصحية معتمدة.

ويؤكد مختصون أن “هذه الجهود تمثل جزءاً مهماً من عملية توثيق آثار الحرب، كما يمكن أن تشكل مستقبلاً أحد مرتكزات أي مسار للعدالة الانتقالية أو المساءلة القانونية.

وفي مواقع العمل المختلفة، يشارك مواطنون في عمليات الحفر والنقل، في مشهد يعكس قسوة التجربة التي عاشها المجتمع السوداني. فالأهالي الذين اضطروا قبل سنوات إلى دفن موتاهم في ظروف استثنائية يعودون اليوم للمشاركة في نقلهم إلى مثواهم الأخير، بعد تحسن الأوضاع الأمنية وعودة بعض مؤسسات الدولة إلى العمل.

وتكتسب هذه العمليات أهمية خاصة في المجتمع السوداني الذي يمنح مسألة الدفن واحترام الموتى مكانة كبيرة. فوجود القبور في مواقع معروفة يتيح للأسر زيارة ذويها ويحافظ على الروابط الاجتماعية والعائلية المرتبطة بطقوس الوفاة والذكرى.

تحديات كبيرة

ورغم أهمية هذه الخطوة، تواجه السلطات تحديات كبيرة تتمثل في التعامل مع آلاف مواقع الدفن المنتشرة في أنحاء العاصمة، إضافة إلى الحاجة لإمكانات فنية ولوجستية متخصصة، خاصة مع اقتراب موسم الأمطار الذي قد يؤثر على بعض مواقع الدفن المؤقتة.

ويرى مراقبون أن مشاهد نبش القبور تمثل تذكيراً مؤلماً بحجم الكلفة الإنسانية للحرب، لكنها في الوقت نفسه تعكس بداية مرحلة جديدة من التعافي وإعادة ترتيب الحياة في العاصمة.

فإعادة إعمار المدن لا تقتصر على بناء الطرق والمستشفيات والمدارس، بل تشمل أيضاً معالجة الجراح الإنسانية وتوثيق الخسائر واستعادة كرامة الضحايا.

ومع استمرار أعمال نقل الرفات في أحياء الخرطوم المختلفة، تبقى الحقيقة الأبرز أن آثار الحرب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار.

فهي تظل حاضرة في ذاكرة الأسر، وفي تفاصيل المدن التي عاشت النزاع، وفي الجهود المتواصلة لإعادة الضحايا إلى أماكن دفن تليق بكرامتهم الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع