الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟! (2)

الجميل الفاضل

إن الذين أطلقوا النار من جفن السماء ليروعوا عمال مناجم عُزّل يفتشون عن رزقهم في تجاعيد الأرض السودانية، لم يدركوا أنهم لم يضربوا أجسادًا من طين، بل نقروا بـ«فولاذهم الطائر» على جدار الروح الكوشية، مفسحين المجال لانبعاث ثانٍ لفرسان لم تألف قلوبهم الغدر، ولم تعرف سيرتهم التشفّي.

هنا، يبدو أن الأثر الباقي إلى يومنا هذا من إرث الفراعنة في مصر الراهنة هو قول فرعون القديم: «لا أريكم إلا ما أرى». هذه المقولة التي أضحت عقيدة أمنية هيكلية، وسياسة رسمية تحاول الرئاسة المصرية من خلالها رسم «خطوط حمراء» معلنة في فضاء السودان.

تعبر عن النرجسية الفرعونية الفارطة في أسطع تجلياتها؛ وعن ذعر وجودي يرتدي عباءة الغطرسة، يرفض رؤية جاره كندّ أو شريك، ولا يراه سوى حديقة خلفية أو تابع يدور في فلكه.

رغم أن الفرعون الكبير الذي أغلق عينيه خلف جدار الرؤية الأحادية من قبل، لم ينسي التاريخ أن يؤكد أن غروره قد انتهى به غارقًا في اليم، لأن النهر الذي ظن فرعون أنه يملكه انقلب عليه ليصبح مقبرة لصلفه.

على أية حال، فإن «الرد الكوشي القادم» لن يكون محاكاة فجّة لغطرسة المصب، فالنبع لا يتعلم القسوة من نهاياته.

دعونا نمد البصر إلى لوحة الجرانيت الرمادية الصامدة في جبل البركل، لنقرأ كيف يدير فرسان كوش معارك الكبرياء.
إذ حين زحف الملك العظيم «بعانخي» شمالًا لتطهير النهر، لم يحركه شبق التسلط ولا شهوة الإخضاع، بل تحرك بـ«أخلاق النبع» التي تقدم الطهر على النصر.

أمر جنوده ألا يباغتوا خصمًا بليل، وأن يغتسلوا في مياه النيل تبركًا، كأنهم يدخلون محراب صلاة لا ساحة حتف.
كانت الحرب عنده طقسًا لإعادة السكينة، لا معولًا لهدم الحياة.

تلك القوة الرحيمة المترفعة عن الضغائن هي ذاتها التي تجلت حين غضب بعانخي في «أشمونين»، لا لأن خصومه قاوموه، لكن لأنهم جوّعوا خيولهم في الإسطبلات أثناء الحصار! فصرخ آنذاك بلسان إنساني رحيم: «والله، إن ما يقض مضجعي هو رؤية هذه الخيول قد جاعت، وهو أشد عندي إيلامًا من أي ذنب ارتكبتموه في الحرب».

فأين هذه الأنفة الباذخة وفضيلة الفروسية ممن يسترخص اليوم دماء البسطاء العزل في مناجم التعدين الأهلي، ويستبيح حرمة بلد جار لا يزال يلعق جراح حربه الراعفة؟

هو سلوك يؤكد إننا أمام حتمية حضارية تتجاوز تفاصيل السياسة وصغائر المحاور؛ إنها حركة «زحزحة كونية كبرى» تؤذن بأفول دورة حضارية كاملة وبدء أخرى.

الأزمات الهيكلية، والديون الخانقة، و«الرهاب المائي» الذي يعصف بمصر اليوم، معضلات تمثل كلها الأعراض الفيزيائية لانحسار المد الفرعوني وتفكك طوق وصايته.

وبالمقابل، فإن مخاض الحرب الشرسة التي يعيشها السودان الآن، بدمائها وغبنها المتراكم وفقدان أمنها، ليست علامات فناء، إنما هي آلام مخاض لبعث كوني ثانٍ.

حين تنبأ العالم السويسري «شارل بونيه» من فوق تلال كرمة بأن التابع سيعود يومًا ليقود متبوعه، بعد أن أثبت بالدليل الأثري أن الأصل والسبق الروحي نبعا من أرض السودان، حيث لم يكن بونيه يقرأ نقوشًا ماتت، لكنه كان يفك شفرة القدر السائر صعودًا نحو المصب.

المهم أن دماء المعدنين علي ثري السودان ربما تكون هي الوقود الكيميائي الذي يذيب الصدأ عن الوعي القديم، لتولد من تحت ركام النيران قيادة روحية وسياسية مستقلة، تنبثق من جذر الأسرة الخامسة والعشرين، لتفرض على فراعين العصر شروط ندية كاملة.

في وقت لم تعد الخطوط الحمراء التي تُرسم بأعصاب مفقودة في قصر الاتحادية، علي مقاس مصالح القاهرة بالطبع، ترهب مارد الجنوب الذي بدأ يستيقظ؛ فالخط الأحمر الوحيد في وادي النيل هو خط مجرى النهر القديم؛ مجرى ينحدر بأمر القدر ليمنح الحياة، مذكرًا المصب في كل ثانية بأن المنبع هو السيد.

كما لم يعد ملف «مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد» رهين الاحتجاجات الباردة، بل سيصبح هو عقيدة عسكرية وأخلاقية أولى للسودان القادم، الذي سيسترد — طال به الزمن أو قصر — سيادته على كل شبر بقوة ثرواته البديلة وعزة فرسانه الزاهدين.

حينها فقط، سيحمل النهر الذي ينساب شمالًا رسالته القدرية الأخيرة: إن مادة الوجود من الرحم الأفريقي، وأن من يملك المنبع هو من يخط مصير المصب في النهاية.

بالتالي، فلن تكون هذه الغارات نهاية القصة، إنما ستكون هي الفجر الذي سيعلنه «ترهاقا الكامن» في وجداننا، بأن زمن التابع قد انقضى.. وأن زمن المتبوع — النقي، الشامخ، والندي — قد بدأ يتخلق من باطن الأرض بلسان كرمة المروي العصي على الفناء.

رغم أنه قد بدا وكأن لكل حاكم مصري في الواقع، حصة ونصيب في دمنا.

بيد أنه علي مصر اليوم أن تعرف، أن النار التي أشعلتها فوق الجبال والمناجم لم تكن إلا النور المبشر بانعتاق هذا المارد من أغلاله هذه المرة، وأن ما ظنته انتصارًا كان في الحقيقة بداية نهاية لعصر غطرستها الفرعونية المتطاول.

ولذا فعلي مصر الآن، الكف عن اللعب بمزيد من النار علي أرض السودان. والا تنسي أيضا أن فراعنة سودانيين مثلنا كانوا قد حكموا من قبل مصر نفسها، لقرابة 90 عامًا، امتدت من العام 747 قبل الميلاد إلى العام 656 قبل الميلاد.

حدث ذلك، ​رغم أن غزوا مصريا سابقا لبلاد النوبة حاول لاحقا طمس معالم فترة حكم هؤلاء السودانيين لمصر، برغم أن شارلي بونيه قد نجح في تقديم دليل مادي لا يقبل الشك على سيادة ملوك كوش علي مصر.

​حيث لم يثبت بونيه فقط مجرد أن كوش قد حكمت مصر عبر الأسرة 25، لكن العالم السويسري كان قد أعاد صياغة تاريخ المنطقة برمتها، ليؤكد أن السودان القديم كان مهدًا لحضارة أفريقية أصيلة، موازية ومنافسة للحضارة المصرية، وأن لها هويتها المعمارية والثقافية الخاصة والمستقلة.

Exit mobile version