مقالات

الأساس الاجتماعي أداة ضرورية للتصنيف والاصطفاف

د. أحمد عثمان

(1)

تكثر الادعاءات المضللة، والمزاعم التي تسعى لتغييب الوعي، والشعارات المزيفة المقصود منها الاستفادة من الدعم الجماهيري، والصعود على أكتاف القوى صاحبة المصلحة في مشروع التغيير، للعمل ضدها وكبح جماح حراكها الرامي لصناعة واقع جديد، على أنقاض الواقع المرفوض الذي ثارت ضده الجماهير، وتحركت لهدمه وبناء بديل له. وعبر الدعاية المضللة، والتكرار الممل لها، توغل القوى المعادية للتغيير والمضادة للثورة، في المزايدة على القوى الثورية نفسها، ورفع السقوف بمستوى يظهرها بأنها الأحرص على التغيير، وتستخدم نفوذها وقدراتها ومواقعها الاجتماعية وأجسامها السياسية المنظمة، لتوهم الجميع بأنها بالفعل تعمل من أجل تغيير هو بالأساس ضدها وضد مصالحها وسيطرتها وتمكينها. لذلك دائما المفتاح لتحديد الموقف الحقيقي لأي قوى أو شرائح اجتماعية، هو تحديد موقعها الاجتماعي وخارطة مصالحها، ومعرفة مدى اتساق دعايتها السياسية مع تلك المصالح من عدمه، لا النظر لما تقوله في سبيل حماية تلك المصالح، ولا ما تقدمه من مسرح عبثي يقفز فوق الواقع ويعيد تموضعها في مكان ضد مصالحها مباشرة، للاستفادة من الصعود الجماهيري والعمل على تصفيته عبر احتوائه والانحناء للعاصفة حتى تمر.

والشرائح الاجتماعية السائدة والمسيطرة على السلطة، التي يبدأ الكرسي في الاهتزاز تحت أقدامها، دائما ما تسرع في اتخاذ التدابير الطارئة التي تسمح لها بتفادي الطوفان الجماهيري الذي يعمل على جرفها، ومن ذلك استخدام أجهزة دولتها النظامية التي تمثل قواها العسكرية والأمنية، للسيطرة على التغيير عبر مزاعم الانحياز للحراك الجماهيري عبر انقلاب قصر عسكري، هو الأداة النهائية للحفاظ على سلطتها كما حدث في ثورة ديسمبر المجيدة.

فالانقلابي المزمن والجنرالات الذين معه، مازالوا يزعمون بأنهم يمثلون الثورة التي عملوا بجد لوأدها، وبجرأة تثير الاشمئزاز لا الدهشة، ناسين أن المعيار الرئيس لتحديد الصدق من الكذب في هذه المسألة، هو تحديد موقعهم من الخارطة الاجتماعية للصراع، وكذلك تحديد موقع قيادة الجنجويد منها، حتى يتم بوضوح تحديد العدو، ليصح وضع استراتيجية تسمح بتحقيق أهداف الثورة.

(2)

ومجموعة الجنرالات التي نفذت انقلاب القصر بوصفها اللجنة الأمنية للنظام السابق، لحماية ذلك النظام بعد سقوطه فكريا وأيدلوجيا وكمشروع سياسي، وانكشافه أمنيا بعد فشل أجهزة أمنه في وقف حراك الجماهير الذي أوشك على إسقاط النظام، يمثلون جزءا أصيلا من الشريحة الاجتماعية التي حكمت البلاد طوال فترة الإنقاذ، التي قدمتهم لقيادة جيشها المختطف والمؤدلج، الذي ائتمنته على حماية سلطتها ومصالحها، ووظفته في حروبها ضد شعبها، ابتداءا من حرب الجنوب الذي تم فصله، ومرورا بالحروب في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، ووصولا للحرب البشعة في دارفور والحرب الراهنة، بمستوى جعل قائده الأعلى (الرئيس المخلوع) مطلوبا للعدالة الجنائية الدولية وهاربا منها.

وهذه المجموعة من الجنرالات ليست مجرد أداة في يد شريحة الرأسمالية الطفيلية التي حكمت منذ انقلاب الجبهة الإسلامية المشؤوم في العام 1989م، بل جزءا أصيلا من هذه الشريحة، ترتبط مصالحهم بها ارتباطاً لا فكاك منه، لأنهم ليسوا مهنيين عسكريين تابعين للسلطة المدنية كما يقتضي الأمر وينص القانون، بل مجموعة تدير الاقتصاد الموازي الذي بنته الحركة الإسلامية المجرمة، وتتحكم في اقتصاد البلاد عبر شركات الجيش المسيطرة تماما على الاقتصاد، والتي تعمل بمعزل عن وزارة المالية، ولا تدخل أموالها ميزانية الدولة، ولا تخضع للرقابة والمتابعة والتدقيق، وتعمل في جميع قطاعات نشاط الرأسمالية الطفيلية ومنها تجارة الصادر والوارد، وتتحكم في السياسات، وتوظف جهاز الدولة المتهالك بأكمله لحماية مصالحها، وتستغل المؤسسة العسكرية كواجهة لحماية هذه المصالح التي هي في جوهرها مصالح الحركة الإسلامية التي بنت الاقتصاد الموازي وكلفتهم بحمايته مقابل ترفيعهم ليصبحوا جزءا من الشريحة الاجتماعية المسيطرة، وهم قبلوا التكليف وإدارة الاقتصاد الموازي الضخم الذي يبتلع ما يعادل 82% من اقتصاد البلاد مثلما قال (المؤسس) الذي شرعن انقلابهم الأخير باتفاقه مع رئيسهم الانقلابي المزمن.

وهذه المجموعة من الجنرالات الانقلابيين لا مصلحة لهم في الثورة والتغيير قولا واحداً، فالتغيير يعني تفكيك الاقتصاد الموازي وإدماجه في اقتصاد الدولة وإخراجه من الظلام إلى النور وجعله تابعا لوزارة المالية المدنية، كما يعني مراجعة وتدقيق نشاط شركات الجيش المختطف وإعادة أموالها للشعب وكشف الفساد الذي تم فيها وتقديم مرتكبيه للمحاكمات.

وهذا أساس وجوهر تفكيك النظام السابق، الذي وقف هؤلاء الجنرالات ضده بحزم وقادوا بسببه انقلابهم الثاني ومن ثم أشعلوا الحرب الراهنة.

كذلك يعني فطمهم من السلطة السياسية واستلام المدنيين السلطة، وهو مارفضوه حتى وإن كان شكليا كما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية المعيبة، وكان رفضهم له أحد أسباب الانقلاب الثاني.

فانتقال السلطة للمدنيين وإن كان جزئيا وليس كاملا في ظل شراكة دم، يهدد مصالح هؤلاء الجنرالات والشريحة الاجتماعية التي يمثلونها ونخبتها والمنظمة المتمثلة في الحركة الإسلامية المجرمة، لذلك كانت اليد العليا داخل شراكة الدم نفسها شرطا أساسياً لاستمرار الشراكة، وكانت الشراكة نفسها خطأ استراتيجيا بل خطيئة، لاستحالة أن تكون وسيلة للتغيير، وهي تحت سيطرة الجنرالات التابعين للرأسمالية الطفيلية، لأنه من المستحيل أن يعمل هؤلاء الجنرالات ضد الشريحة التي ينتمون إليها وبالتبعيّة ضد أنفسهم، طالما ظلت مصالحهم معها ولم يقوموا بالانسلاخ طبقيا ويسلموا اقتصادهم الموازي للحراك الجماهيري بالفعل، مع تسليمهم السلطة للمدنيين الثوريين لا التسوويين والخضوع لسيطرتهم.

(3)

وحالة قيادة الجنجويد الإرهابيين ليست بأفضل من جنرالات الجيش المختطف، لأنهم بعد أن كانوا مجرد بندقية للإيجار، وظّفتها الرأسمالية الطفيلية ضد التمرد، تم ترفيع هذه القيادة وإدخالها لنادي الرأسمالية الطفيلية من أوسع أبوابه.

فإدخالها اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ، لم يكن البداية، بل تتويجا لصعودها من مواقع عسكرة محضة وتبعية، لمواقع نفوذ اقتصادي ومشاركة في السلطة وفي حماية الشريحة الاجتماعية التي رفعت إليها وأصبحت مصالحها مرتبطة عضويا بها.

والترفيع الفعلي بدأ من السماح لها بالسيطرة على بعض مناجم الذهب والهيمنة على ريعها، والانكشاف أمامها وتركها تسيطر مع آخرين على نشاط تهريب الذهب بالتنسيق مع الرئيس الكيني كما أفاد نائبه السابق في تسجيل مصور، والتواصل مع دول خارجية وبناء علاقات تجارية معها، امتدادا لنشاطها الاقتصادي الطفيلي.

وهذا الصعود دفع هذه القيادة إلى المشاركة في انقلاب القصر المعادي لثورة الشعب السوداني المجيدة، وللمشاركة الفاعلة في مجزرة القيادة العامة، وللمشاركة الفاعلة في الانقلاب الثاني، وفي قتل المتظاهرين، وفي شراكات الدم التي عملت على احتواء الثورة من أجل تصفيتها، وفي الحرب الراهنة التي نشأت نتيجة لرفضها الاستمرار في تنفيذ مشروع الجنرالات ومن خلفهم، للانفراد بمشروعها الطفيلي الخاص، بالدخول في شراكة دم جديدة مدعومة إقليميا بواجهة مدنية.

وهذا وغيره يؤكد أن هذه القيادة لا علاقة لها بالثورة ولا بحراك الجماهير ولا بمصالح الشعب من قريب أو بعيد.

وهو يؤكد أن محاولة تسويقها كقوى ثورية تتبنى مصالح الهامش وتعمل من أجل دولة مدنية ديمقراطية علمانية، محاولة مضحكة ومثيرة للسخرية، لا تبرر التحالف معها،لأنها ببساطة ليست مستعدة للتنازل عن إمبراطوريتها المالية وريع الذهب، وليست مستعدة للتخلي عن نشاط التهريب والنشاطات التجارية الطفيلية الأخرى، كما أنها غير مستعدة للتخلي عن ارتباطاتها الإقليمية ومشاريعها المرتبطة بمشاريع دول تعمل على نزح الفائض الاقتصادي للبلاد ونهب مواردها.

كذلك يؤكد أن أوهام من انتموا إليها بهدف انتزاعها من قبضة الحركة الإسلامية المجرمة وتحويلها إلى حركة ثورية تمثل الهامش، كانت أوهاما محضة تجاهلت الطبيعة الطبقية لهذه القيادة، التي تجعلها جزءا أصيلا من الرأسمالية الطفيلية، لا مصلحة لها في انتصار الثورة وحراك الجماهير.

وهي أوهام انتهت بمن يحملونها في غياهب السجون وربما تقودهم إلى التصفية الجسدية بكل أسف.

(4)

عليه لا يكفي الادعاء ومجرد المزاعم بالانتماء للتغيير، بل يجب البحث عن الأساس الاجتماعي للمدعي وانتماؤه إلى أي شريحة اجتماعية، وأي مصالح لهذه الشريحة يجب أن تحميها السلطة، لتحديد العدو من الصديق، وبناء خط سياسي يسمح ببناء تحالفات لا تقوم على صلاحيات شراكات الدم مع العدو لإنجاز تغيير ضد مصالح هذا العدو بالذات، وتصديق بأنه سيسعى للعمل ضد مصالحه لينفي نفسه ويدمرها، أو تصديق أنه تحول بقدرة قادر إلى قوى ثورية علمانية ديمقراطية تمثل الهامش، في حين أنه هو من كسر ببندقيته بندقية الهامش ومهد لانتقالها لمواقع الارتزاق والالتحاق بمعسكر الرأسمالية الطفيلية.

والمطلوب هو الوعي بمن هو العدو، ومحاكمته وفقا لمصالحه ومصالح شريحته الاجتماعية، بعيدا عن التضليل والدعاية وقصف العقول.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع