
دخلتُ أم القيوين قبل أكثر من شهر، لا على ظهري حقيبة رحالة، ولا في يدي عدسة سائح، ولا في قلبي فضول مستكشف.
دخلتُها وأنا أحمل في صدري جنازتين، وفي عينيّ أربعة أيتام، وفي روحي سؤالًا يعصف بي كزلزال: كيف نواجه هذا الحرمان المفاجئ الذي انقضَّ على قلوبنا ورؤوسنا جميعًا دون سابق إنذار؟
هو حرمان أفقدني شخصيًا “يوسف سراج الدين”، أحب أبناء أمي إلى نفسي، وزوجته هدى رضوان.
هما زوجان اقتسما الطريق، ثم اقتسما المنفى، ثم اقتسما الموت.
كان القدر قد كتب اسميهما بقلم واحد، ثم طواهما في سطر واحد.
ليتركا وراءهما أربعة قناديل صغيرة: باسل، ورفقة، ورهان، وماهر.
أربعة عصافير ما زالت أجنحتها طرية، ألقتها الحرب أولًا في المنفى، ثم ألقاها الموت في اليتم دفعة واحدة.
أصغرهم “ماهر” ربما لا يدري إلى الآن سر هذا الغياب غير المفهوم لوالديه عن ناظريه.
وأكبرهم “باسل” شاب صغير في ريعان الشباب، حمل من اسمه شيئًا، وضعته الأقدار أمام تحدٍ أكبر من عمره، فحمله ببسالة نادرة وفريدة.
ثم هاتان البنتان “رفقة ورهان”، كأن الدنيا كلها قد انكمشت فجأة، وفي لحظة واحدة، لتنحسر أمام عينيهما الجميلتين.
على أية حال، فقد جئتُ إلى دولة يسبقها صيتها في الذكاء الاصطناعي، والمدن الرقمية، والمنصات السحابية، والإدارة التي تكاد تتحول بكاملها إلى خوارزمية.
أعترف أني كنت أحمل في داخلي شيئًا من خوف الجيل القديم.
كنت أخشى أن تكون الآلات قد ربحت المعركة، وخسرت القلوب.
أن تكون الشاشات قد أطفأت حرارة المصافحة.
وأن يكون المستقبل قد التهم الإنسان.
لكن “أم القيوين” قالت لي بصمتها النبيل:
إن الحضارة لا تبدأ من الرقائق الإلكترونية، لكنها تبدأ من رقة القلوب.
وإن الذكاء، إذا لم يخدم الرحمة، فليس سوى آلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
صحيح أني رأيت التكنولوجيا هنا، لكنني رأيت الإنسان قبلها.
ورأيت القيم تمشي أمام الشاشات، لا خلفها.
كأن الأصالة والمعاصرة قد تصالحا أخيرًا، بعد خصام طويل.
ثم جاءت اللحظة التي شعرت فيها أن السماء تدخل التاريخ دون أن يراها أحد.
فقد صدر قرار شهم، بلا ضجيج، ولا استعراض، ولا عدسات.
مجرد أمر كريم، انساب كما ينساب الغيث على أرض ظمأى.
تكفل كامل بالأيتام الأربعة: بيت يؤويهم، تعليم يحملهم حتى نهاية الجامعة، رزق يصون كرامتهم، إقامة قانونية مستقرة.
رغم أني لم أر صاحب السمو الشيخ سعود بن راشد المعلا، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم إمارة أم القيوين، إلا أني رأيت في الحقيقة أياديه البيضاء، ورأيت سواعده تتحرك بنبل عبر “مؤسسة سعود الخيرية” وعبر إدارة “الشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة” ومن خلال “الهيئه الاتحادية للهوية والجنسية وأمن المنافذ”، ممثلة في الأفاضل: راشد الحمر، ومحمد إبراهيم، وعبد الله، وصديقي ممثل السودان المقيم “محمود بشير أمير”.
رأيت أثر الشيخ سعود في كل قلب من هؤلاء الذين حملوا همّ هؤلاء الصغار قبل أن يحملوا ملفاتهم.
فالرجال الحقيقيون لا يُقاس حضورهم بعدد الصور، لكن بعدد القلوب التي جبروا كسرها.
ثم خرجتُ من الديوان، لأدخل إلى الديوان الأكبر: ديوان الناس في أم القيوين.
وهنا كانت مفاجأتي الأعظم.
إذ أدركت أن مفاتيح الخير في أم القيوين لا يحركها قرار حكومي فحسب، إنما هي عادة اجتماعية تسري كالهواء الذي يتنفسه الجميع.
فقد رأيت بيوتًا تُفتح، وقلوبًا تُفتح قبلها.
وأكفًا تمتد، لا لأنها تعرف أصحاب المصيبة، لكن لأنها تعرف خالق أصحاب المصيبة.
هنا في أم القيوين لا يُسأل الغريب: من أنت؟ بل يُسأل: ماذا ينقصك؟
ولا يُنظر إلى اليتيم على أنه عبء، بل على أنه وديعة ربانية وأمانة.
هنا تحولت الأخلاق من سلوك فردي إلى ثقافة عامة، ومن استثناء إلى قانون غير مكتوب.
إن أم القيوين ليست مجرد مدينة، إنما هي درس في كتاب مفتوح.
جعلتني “أم القيوين” أكتشف أن المدن ليست أبراجًا ولا طرقًا ولا عمرانًا، وأن المدينة الحقيقية هي بعدد القلوب التي تنبض داخلها.
وللحقيقة فقد رأيت هنا قلوبًا كثيرة، لكنها كانت تخفق كلها بنبض واحد.
لقد رأيت بلدًا يجيد صناعة الإنسان قبل أن يجيد صناعة المدن.
بلدًا لا يكتفي ببناء الأبراج، لكنه يبني الطمأنينة.
ولا يكتفي بإدارة الاقتصاد، لكنه يدير الرحمة أيضًا.
ولذلك، إذا سألني أحد: ما هي أم القيوين؟
لن أحدثه عن البحر، ولا عن غابات القرم، ولا عن هدوء الخليج.

