الأولى: أن الفريق المصري سجل تاريخًا ناصعًا في مباراة أمس، وهو، مع شقيقه المغربي، بغض النظر عن نتيجة مباراته مع فرنسا، وضعا الكرة الإفريقية والعربية في المكان الذي تستحقه. وإذا أضفت إلى ذلك نتائج المنتخبات الإفريقية الأخيرة، التي خسرت جميعها في الدقائق العشر الأخيرة، فإن ذلك يثبت أنها قادرة على المنافسة والوصول إلى النهائيات، إذا ركزت على معالجة أسباب الانهيار في الدقائق العشر الأخيرة.
الثانية: حول من يشجع من… ولماذا؟ هذا أمر في غاية التعقيد.
من الطبيعي أن تشجع منتخب بلدك وتتعصب له، أما فيما يتعلق بالمنتخبات الأخرى، حتى وإن كانت من محيطك الجغرافي والثقافي، فهنا يظهر التعقيد؛ إذ تختلط الأسباب السياسية بالحساسيات التاريخية، والتنافس المحلي، بالمزاج الفردي الإنساني العجيب، مع تفضيل اللاعب أو الفريق العالمي الذي تشجعه، وأحيانًا لمجرد حب المخالفة عند البعض، أو حتى من غير سبب.
من الطبيعي أن يكون هناك سودانيون كثر، وأنا منهم، يشجعون مصر والمغرب، مثلما شجعنا السنغال وغانا والكونغو الديمقراطية وساحل العاج… إلخ. وقد يميزون مصر عن غيرها، كما أفعل، لارتباطات تاريخية ووجدانية وثقافية… إلخ.
لكن هذا، طبعًا، لا يعني أن على جميع السودانيين أن يشجعوا مصر. ليس هناك سبب منطقي لهذا الافتراض أو الفرض، وقد كتبنا من قبل عن كيف تنشأ ميول التشجيع عند الإنسان، وكيف تتكون وتختلف.
من حق أي سوداني أن يشجع الأرجنتين، أو الإكوادور، أو غانا، أو بلاد الواق واق. وأنا شخصيًا سأشجع المغرب ضد فرنسا، وأشجع الفريق الإنجليزي ضد أي فريق أوروبي آخر، وإن وصلت الأرجنتين إلى النهائي فسأشجع الفريق الذي يلعب ضدها، أيًا كان.
غير الطبيعي أن يكتب مصري شيئًا عن منتخبه، فيدخل عليه أخونا السوداني ليستفزه، ويعلن كراهيته لمصر، وأنه سيشجع الأرجنتين. أو أن يقول إنه موجود على أرض مصر لاجئًا مستضافًا، لكنه سيشجع ضدها.
لو كنت مصريًا، غاضبًا من نتيجة المباراة، وناقمًا على الحكم الظالم، فكيف تتصور أنني سأرد؟ سألعن «سنسفيلك»، وسنسفيل بلدك، وأعايرك بأنها غير موجودة على خارطة الكرة العالمية، بل ربما أمضي أبعد من ذلك، فأعايرك بالوضع في بلدك، وبالحرب، والنزوح، واللجوء، والتشرد… وعندها تنفتح ماسورة من خطاب الكراهية، يصعب إيقافها، ولم يكن لها داعٍ من الأساس.
ليس هناك سبب لاستفزاز الناس وإثارة غضبهم في موضوع لا يمسك بسبب مباشر أو غير مباشر. شجع مصر، أو الأرجنتين، أو إفريقيا الوسطى كما تشاء، واحترم حق الآخرين وبلاد الآخرين، خاصة إذا كنت أنت أو أفراد من أسرتك يعيشون على أرضها، واحترم وطنيتهم وحبهم لبلادهم ومنتخبها.
وبعيدًا عن موضوع كرة القدم، فإن الذوق والأدب والاحترام يلزمون الناس بسلوك مختلف… فهل انتفى كل ذلك؟