ثقافــة

قراءة في رواية (حوش بنات ود العمدة) .. سناء جعفر تفكّك الموروث وتعيد مساءلة المسكوت عنه

الدوحة - مشاوير : مجدي علي 

ليست سناء جعفر من الكاتبات اللاتي يكتبن لإرضاء القارئ أو لمجرد أن تحكي له قصة ممتعة. فمنذ بداياتها اختارت أن تقترب من المناطق التي يفضّل المجتمع الصمت والابتعاد عنها، خطّت طريقها: أن تجعل الكتابة مساحة لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات.

سناء التي درست التجارة بجامعة القاهرة، فرع الخرطوم، اتجه اهتمامها الحقيقي إلى الأدب، فبرعت في كتابة المقالة والنصوص الأدبية، قبل أن تفرض حضورها بروايتيها (حوش بنات ود العمدة) و(اغتيال فضيلة)، إلى جانب نصوصها التي جمعت لاحقًا في (قصاصات سرّية). وقد دفعت ثمن هذا الخيار مبكرًا، إذ تعرّضت كتاباتها إلى حملات انتقاد واسعة، بل أوقف نشر (حوش بنات ود العمدة) وهي تُنشر مسلسلة في صحيفة (الأحداث)، بعدما اعتُبرت رواية تجاوزت الخطوط التي اعتاد المجتمع حمايتها بالصمت.

وعندما يعيد القارئ قراءة الرواية اليوم، يفهم بسهولة سبب كل ذلك الجدل. فالعمل لا يهاجم المجتمع بصورة مباشرة، وإنما يجعله يتحدّث بنفسه. لا يقدّم خطبًا ولا شعارات، بل يفتح أبواب بيت سوداني كبير، ثم يترك الشخصيات تكشف تناقضاتها أمام القارئ. ولهذا فإن (الحوش) الذي يحمل اسم الرواية ليس مجرد مكان للأحداث، وإنما يصبح السودان كله في صورة مصغّرة؛ داخله تتجاور السلطة مع الحنان، والعادات مع الرغبات، والحب مع الخوف، والمال مع الحرمان، والهيبة مع الانكسار.

لكن هذا الحوش لا يحمل فقط أسرار الأسرة، بل يحمل أيضًا تاريخًا كاملاً من العلاقات الاجتماعية التي تشكّل المجتمع السوداني. ففي طبقاته الداخلية تظهر آثار الانتماء القبلي، وسلطة النسب، والتمييز بين الناس على أساس الأصل والمكانة الاجتماعية. فالرواية لا تقدّم هذه الصراعات باعتبارها خلافات شخصية بين أفراد، بل تكشف كيف يمكن لمنظومة اجتماعية كاملة أن تتحكّم في مصائر البشر، وأن تجعل بعض الاختيارات الطبيعية في حياة الإنسان، كالحب والزواج والارتباط، خاضعة لقوانين غير مكتوبة أكثر قوة من القانون نفسه. كما تكشف عبر شخصياتها المتعددة استمرار آثار طبقات اجتماعية قديمة لم تعد موجودة بصورتها التقليدية، لكنها بقيت في الوعي الجمعي، حيث لا يكفي التعليم أو النجاح أو تغيّر الظروف لمحو أحكام صنعتها الذاكرة الاجتماعية.

تبدأ الرواية من مناسبة اجتماعية تبدو عادية، لكن الكاتبة لا تنشغل بالعرس نفسه بقدر ما تستثمره ليكون مدخلًا للتعرّف على أفراد الأسرة، وكأنها تدعو القارئ للدخول إلى البيت الكبير والتجوّل بين غرفه. وكلما تقدّم السرد، يكتشف أن كل فرد يحمل قصة مختلفة، وأن الهدوء الظاهر يخفي تاريخًا طويلًا من الأسرار والصراعات.

وتنجح سناء جعفر في تحويل التفاصيل اليومية إلى وثيقة اجتماعية حيّة؛ فالطقوس المرتبطة بالزواج، والملابس، والأدوات الشعبية، وطريقة الاحتفال، ليست مجرد زينة سردية، وإنما علامات على عالم له ذاكرته الخاصة. إنها تلتقط ملامح مجتمع في لحظة تحوّل؛ مجتمعًا يتمسّك بموروثاته، لكنه يعيش في الوقت ذاته أسئلة جديدة تفرضها الحياة الحديثة.

وتبدو هذه الدقّة في التفاصيل ثمرة رحلة كتابة طويلة عاشتها سناء جعفر مع الرواية؛ إذ تؤكد أنها استغرقت قرابة عامين في كتابتها، انشغلت خلالهما بالبحث عن ملامح الفترة التي تدور فيها الأحداث، عبر القراءة والسؤال والاستقصاء، حتى تأتي التفاصيل منسجمة مع زمنها وبيئتها. فالكتابة بالنسبة لها لم تكن مجرد بناء للحكاية، بل معايشة كاملة لعالم الرواية وشخصياتها، إلى درجة التقمّص؛ لتكتبهم من الداخل لا من موقع المراقب. وهذا الاندماج العميق هو ما منح شخصيات الرواية حضورها الإنساني، وجعلها تبدو كأشخاص حقيقيين يحملون مخاوفهم وضعفهم وتناقضاتهم.

ولا تقتصر قوة الرواية على موضوعاتها الاجتماعية، بل تمتد إلى بنائها الفني؛ إذ تعتمد سناء جعفر على استدعاء الذاكرة للانتقال بين الحاضر والماضي، فتتدرج حكايات الشخصيات وتتضح خلفياتها الإنسانية والاجتماعية. كما يتحول (الحوش) من مجرد مكان للأحداث إلى فضاء سردي يحمل ذاكرة الأسرة والمجتمع، تتقاطع داخله الحكايات الفردية مع التحولات الكبرى. وهذه القدرة على بناء الزمن والمكان هي ما يمنح الرواية عمقها، ويجعلها تتجاوز حدود الحكاية الاجتماعية إلى عمل روائي مكتمل العناصر.

أكثر ما يلفت الانتباه في الرواية هو أن شخصياتها لا تُولد أمام القارئ كاملة، بل تنكشف تدريجيًا.

ففي البداية قد يصدر القارئ أحكامًا سريعة على بعض الشخصيات، لكنه يضطر لاحقًا إلى مراجعة تلك الأحكام مع كل صفحة جديدة. وهذه واحدة من أهم نقاط قوة سناء جعفر؛ فهي لا تصنع شخصيات خيرًا مطلقًا أو شرًا مطلقًا، وإنما ترسم بشرًا يحملون تناقضاتهم، ويخطئون كما يصيبون.

وتظل شخصية (إبراهيم) أكثر شخصيات الرواية تعقيدًا وثراءً. ففي بدايات العمل يبدو شابًا متهوّرًا، غارقًا في الإدمان والعنف والانفلات الأخلاقي، حتى يكاد القارئ يضعه في خانة الشخصيات الفاسدة. لكن الرواية تقلب هذه الصورة رأسًا على عقب عندما تكشف أن الرجل الذي عاش عمره كله يبحث عن رضاه ليس والده الحقيقي.

الكاتبة سناء

هنا تتحوّل الرواية من متابعة الأحداث إلى تفسير الإنسان. فالكاتبة لا تبرّر أخطاء إبراهيم، لكنها تحاول الوصول إلى الجرح العميق الذي صنع هذه الشخصية. فالرجل الذي امتلك المال والنفوذ حُرم في طفولته من أبسط احتياجات الطفل: الاعتراف والحب والشعور بأنه مرغوب. ومن خلاله تكشف الرواية أن السلطة المادية لا تعوّض دائمًا الغياب العاطفي، وأن البيوت الكبيرة قد تخفي داخلها وحدات قاسية من الوحدة والانكسار.

وتبلغ الرواية ذروة قوتها في مشهد مواجهة إبراهيم لأمّه بعد اكتشاف الحقيقة. فهذا الفصل ليس مجرد حوار عائلي، وإنما مواجهة مع تاريخ طويل من الصمت والكتمان. إذ يتحوّل السؤال الشخصي: لماذا لم يحبّني أبي؟ إلى سؤال أكبر عن الأسر التي تختار إخفاء الحقيقة بحجّة الحماية، ثم تكتشف لاحقًا أن الصمت نفسه كان سببًا في جرح أعمق.

وفي خط موازٍ، تقدّم الرواية قصة زاهر ونادية، وهي من أجمل خطوطها السردية وأكثرها دلالة. تبدو في ظاهرها قصة حب جامعية، لكنها في حقيقتها مواجهة مع منظومة اجتماعية كاملة.

فالعائق بينهما ليس اختلاف المشاعر، وإنما الحدود التي يرسمها المجتمع بين الناس على أساس القبيلة والأصل والانتماء. وهنا تقترب الرواية من واحدة من أكثر القضايا حساسية؛ وهي استمرار بعض التصوّرات القديمة التي تمنح الإنسان قيمته من اسمه أو نسبه قبل أن تمنحه إياها إنسانيته. فالحب في هذه الحالة لا يصبح مجرد علاقة عاطفية، بل يصبح اختبارًا لقدرة المجتمع على تجاوز تقسيماته القديمة.

ولا تقدّم سناء جعفر هذه القضايا في صورة خطاب مباشر، كما لا تختزل المجتمع في صورة صراع بسيط بين ضحية وجلاد، أو بين ماضٍ متخلف وحاضر متحرر، وإنما ترسم شخصيات تحمل تناقضاتها، وتكشف كيف تتداخل القيم الموروثة مع الرغبات الفردية والمصالح والخوف من التغيير. فالرواية لا تكتفي بإدانة منظومة اجتماعية بعينها، بقدر ما تضعها أمام القارئ بكل تعقيداتها وآثارها على حياة الأفراد، وتجعل القضايا المتعلقة بالعنصرية والطبقية والتمييز جزءًا من التجربة اليومية للشخصيات، تظهر في قراراتهم وعلاقاتهم وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض.

ومن خلال الشخصيات الثانوية، التي لا تبدو زائدة عن الحاجة، يزداد اتساع العالم الروائي. فجميع الشخصيات تقريبًا تضيف طبقة جديدة إلى صورة الحوش، وتجعل المكان يبدو حيًا بالفعل، لا مجرد مسرح للأحداث. فكل شخصية تحمل تاريخها الخاص، لكنها في الوقت نفسه تكشف جانبًا من تاريخ المجتمع الأكبر.

ومن الجوانب التي تحسب لسناء جعفر أيضًا أنها لم تخفِ القضايا المؤلمة خلف اللغة الجميلة. فهي تتناول التحرّش، والإدمان، والعنف الأسري، والتمييز القبلي، وختان الإناث، والكبت، والانهيار النفسي، والعلاقات السرية، دون أن تحوّلها إلى مادة للإثارة. إنها تستخدم الرواية لكشف مناطق الألم لا لمجرد صدمة القارئ.

أما اللغة، فهي واحدة من أبرز عناصر نجاح العمل. فقد كتبت سناء جعفر باللهجة السودانية في الحوارات بصورة طبيعية للغاية، بينما حافظ السرد على لغة عربية سلسة، وهو ما يمنح الشخصيات صدقًا كبيرًا، ويجعل القارئ يشعر بأنه يستمع إلى أفراد الأسرة داخل الحوش، لا إلى شخصيات تتحدّث بلغة أدبية مصطنعة.

المثير أن (حوش بنات ود العمدة) لا تنتهي بانتهاء أحداثها، بل تستمر في ذهن القارئ طويلًا. فهي رواية عن الأسرة، لكنها أيضًا عن المجتمع. وعن الحب، لكنها كذلك عن السلطة. وعن الماضي، لكنه الماضي الذي لا يتوقّف عن صناعة الحاضر.

لقد نجحت سناء جعفر في أن تجعل من الحوش مساحة تتقاطع فيها كل تناقضات المجتمع: التقاليد والتمرّد، الامتياز والحرمان، الانتماء والإقصاء، الحب والخوف. ولهذا فإن الرواية لا تبدو حكاية أسرة بعينها، بل قراءة عميقة في مجتمع كامل يحمل داخله صراعاته القديمة وأسئلته الجديدة.

وربما تكمن قوة (حوش بنات ود العمدة)، كما تكمن قوة كتابة سناء جعفر عمومًا، في أنها لا تقدّم إجابات جاهزة، بل تضع القارئ أمام مرآة واسعة، وتدعوه إلى تأمل الصورة التي تنعكس فيها طويلًا؛ صورة مجتمع يحاول التشبّث بماضيه، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضرورة مراجعة كثير من المسلّمات التي ظلّت تحكمه لعقود. فالرواية لا تكتفي بكشف التناقضات، وإنما تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بالهوية، والذاكرة، والعلاقات الاجتماعية، وحدود ما يرثه الإنسان من مجتمعه وما يختار تجاوزه.

هذه القراءة السريعة تحيل إلى اعتقاد أوسع بأن مشروع سناء جعفر الكتابي لم يكن ينبغي أن يتوقّف؛ فهو مشروع مختلف يتجاوز المألوف، ويقترب من المساءلة وإعادة النظر في كثير من القضايا التي ظلّت بعيدة عن دائرة النقاش. فقد امتلكت سناء جرأة الحكاية الواعية، والقدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع. والمشهد السردي السوداني يفتقد إلى أصوات تمتلك هذه القدرة على التقاط التفاصيل وتشريح التحوّلات الاجتماعية بعمق وحساسية؛ ولعل الأمل أن تعود سناء جعفر إلى مشروعها الكتابي، ليواصل هذا الصوت المختلف حضوره، ويضيف المزيد من الأعمال التي تستكمل هذا المسار، وتثري تجربة الرواية السودانية المعاصرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع